كأس إفريقيا..نزهة صفي .. تكتب: حين تتحول المنافسة الرياضية إلى فتنة رقمية

في خضم أجواء كأس إفريقيا، التي يفترض أن تكون مناسبة للفرح والتقارب بين الشعوب، طفت على السطح مظاهر مؤسفة من التراشق اللفظي والإساءات المتبادلة بين بعض الجماهير ، خصوصا عبر الفضاء الرقمي.

مظاهر لا تليق بشعوب جمعها التاريخ، ووحدتها اللغة، وربط بينها الدين والقيم الإنسانية المشتركة.
إن كرة القدم، مهما بلغت شعبيتها، تظل مجرد لعبة، بينما الكلمة قد تكون عبادة أو خطيئة، بناء أو هدما. فقد قال الله تعالى: ﴿ما يلفظ من قولٍ إلا لديه رقيب عتيد﴾،
وهو تذكير بأن الخطاب المتشنج، ولو كان بدافع الحماسة، لا يعفى من المسؤولية الأخلاقية والدينية. لقد دعا الإسلام إلى التعارف لا التنافر، وإلى الاختلاف دون خصومة، كما جاء في قوله تعالى: ﴿وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا﴾،

فكيف نقبل أن تتحول مباراة رياضية إلى سبب للسب والشتم ونشر الأحقاد، ونحن أبناء أمة واحدة يجمعها الإيمان قبل كل شيء؟
إن أخطر ما يعيشه الفضاء الرقمي اليوم هو هذا الشحن العاطفي المتعمد، الذي يتغذى على الاستفزاز ويغذي الكراهية، وتقف خلفه أحيانا حسابات ومؤثرون اختاروا الإثارة بدل الحكمة، ونسوا أن للكلمة وزنا، وللتحريض تبعات، وللتأثير أمانة.
وفي هذا السياق، يلفت المفكر محمد محفوظ في كتابه «العرب والتسامح» إلى أن المجتمعات لا تبنى بالصدام، بل بثقافة قبول الآخر، وأن التسامح ليس تنازلا عن الحق، بل ارتقاء أخلاقي يمنع الانزلاق نحو الفتن التي تبدأ بالكلمة وتنتهي بالقطيعة. فحين يغيب التسامح، تتشوه صورة الدين، وتختزل الهوية في التعصب بدل القيم.
ومن منطلق إنساني، فإن الإساءة إلى جمهور أو شعب كامل بسبب مباراة، هي ظلم جماعي يتنافى مع أبسط مبادئ العدل والكرامة الإنسانية. فالإنسان يظل إنسانا قبل أن يكون مشجعا، والكرامة لا تسقط عند صافرة الحكم ،من هنا، فإن الدعوة موجهة إلى:
*الجماهير: لاستحضار الأخلاق قبل الحماسة، وضبط الانفعال بروح رياضية.
*المؤثرين وصناع المحتوى: لتحمل أمانة الكلمة، والكف عن التحريض واستغلال المشاعر.
*الإعلام الرقمي: ليكون جسر تهدئة وبناء، لا أداة شحن وتأجيج.
ستنتهي بطولة كأس إفريقيا، وستطوى النتائج، لكن ما يبقى هو أثر المواقف، وسجل الكلمات، وصورة الشعوب في ذاكرة بعضها البعض.
فلنختر أن نكون دعاة وعي لا صانعي فتنة، وأن نجعل من الرياضة مساحة للتلاقي، لا ساحة للاختلاف الجارح.
فالانتصار الحقيقي، كما يؤكده الكاتب محمد محفوظ، ليس في غلبة الآخر، بل في القدرة على الاختلاف دون أن نفقد إنسانيتنا.
اللهم ألف بين القلوب، واصرف عنا الفتن، واهد ألسنتنا لما يرضيك ، واجعل الرياضة سببا للمحبة لا للعداوة، وللجمع لا للتفرقة.
تعليقات