نجوى حجازي..تكتب: منطق العقول الفقيرة

من الحكم المأثورة التي أؤمن بصحتها : فقر العقل يوجب فقر اليدين ، فالعقل غنى النفوس ، والمال غنى الأبدان .
في الآونة الأخيرة نجد الكثير من التغيرات التي حدثت على أرض مصر ، وكأنك إذا نظرت إليها من بعيد تنبهر حقيقة ، فلم يعد هذا هو الشكل الظاهري الذي اعتدنا عليه ، أصبحت المحال والمطاعم وبعض الأفكار في العرض متغيرة بعض الشيء ، وإذا تمعنت أكثر لوجدت أن السماح للقطاع الخاص سواء كان أجنبياً أو مصرياً أن يكون له دور في اقتياد الركب نحو التطور هو ما خلق هذا الجو الحديث في منظومة الحياة الاجتماعيه اليومية ، وهنا تتيقن أن للأفكار الحديثة دورها في التغيير والتطوير وجذب المال بطريقة أسرع وأكثر ،فقد أدى ذلك إلى جذب أنظار السياح إلى مصر بشكل كبير في العامين الأخيرين ، وكان لهذا مردود كبير على خزانة الدولة ومقدراتها ... ولكن هل تكتمل الصوره بجمالها للأسف تقف الصورة الجميلة عند تلك الزاوية فقط أما باقي الصورة فهي مازالت سوداء تحكي مأساة شعب يئن تحت وطأة أفكار سوداوية بالية ...أفكار قديمة عفا عليها الزمن واندثر ولكنها للأسف متوارثة مع كل حكومة يبتلينا بها الله ليختبر بها صبر هذا الشعب المسكين ...فمازالت حكومتنا تعتقد وتؤمن أن الضغط على المواطن هو الطريقةالعملية والمضمونة كي يظل يبحث عن فتات العيش فلا يبحث عن حقوقه ولا يسأل أين كرامتي ومقدراتي ؟فنحن لم يخرج علينا مسئولا يوما يبحث عن سعادة وراحة المواطن بأي شكل من الأشكال ، تحدث الكوارث وتنتهي والمسئول لا يرى ولا يسمع فقط يدلي بكلمتين وانتهى ، فلم يأت أحدهم ليتعلم سيكولوجية ترويض الإنسان بالسخاء العملي والنفسي ، لم يسأل احدهم نفسه مرة ماذا يريد هذا المواطن من الدولة ، للأسف الغرب سبقنا إلى هذا منذ قرن ولذا تجد المواطن في الغرب راضياً ومستريحاً لماذا ؟ لاسباب بسيطة منها أن الدولة حملت عنه عبء المرض والتعليم والطعام وتركت له راحته النفسيه ...رغم انه يدفع ثلث دخله للضرائب ولكنه يدفعه عن اقتناع تام لأنه يجد ما يريح عقله وفكره ...أما نحن فنتعامل مع المواطن على أنه آلة لدفع ثمن أي شئ حتى لو كانت أفكارا غير منطقية لا يملك حتى ثمنها ...فنجد في مجال التعليم مثلا دخل المدارس الخاصة من مصروفات التعليم التي تبتزّ بها أولياء الأمور دخلاً خياليا ربما يفوق ميزانية الدولة ومع ذلك لم تأت وزارة التعليم مثلا بتقديم مقترح يجمع تلك المقدرات بذكاء ويحمل عن كاهل أولياء الأمور الضغط السنوي فليس صعبا ان تتحول المدارس الحكوميه إلى مدارس بمصروفات بربع ثمن المصروفات في الخاص وتختلف المصروفات حسب نوع اعتماد الشهادة ويتم توظيف الكم الهائل من خريجي الجامعات .ويعفى المحتاجون من تلك المصروفات ، وتُرفع الأجور ليتم خصم ضريبة تعليم عن كل طفل لدى الأسره ، اعتقد أن هذا الأمر لو تم فإن وزارة التربية ستتحصل على المليارات من المواطنين ، ولكن يبدو أن المصالح الشخصيه من وراء التعليم الخاص الباهظ الثمن والذي يمتلئ بالتجاوزات التي طفحت على السطح مؤخرا تجعل ملف التعليم دائماً في درج المستحيلات . وأما عن الصحة وهذا ملف آخر يشيب له الرأس ، فالحمد لله استطعنا بفضل الله التخلص من أكفأ وأمهر الأطباء بخروجهم على المعاش المبكر ولجوئهم للعمل خارج مصر ، والبقية تسعى لنفس الهدف رغم حاجة مصر المُلحه للأطباء إلا أنها دائماً سباقة بالخير تحت مبدأ الجار اولى بالشفعه ، فالطبيب بالنسبة للمسئولين في مصر ثروة قومية فهو يأخذ راتباً كبيراً وتحويلات الأطباء لا بأس بها فلماذا لا تستفيد خزانة الدولة !!!مع اننا لو فكرنا لوجدنا ان هذا الطبيب تستطيع استخدامه داخل دولته وخصوصاً لسمعة الطبيب المصري المشهود لها بالكفاءة ...فقط عليك أن تعمل مشفى دولياً فيه جميع التخصصات وفعَل الدعايات ، ستجد زوار السياحة العلاجية يأتون إليها من كل صوب وحدب ، ولكننا اكتفينا بمن تبقى لنعلن شهرتنا في سرقة الأعضاء وحوادث الإهمال الطبي ....وهل يكتفي المسئولون لدينا بإحباط المواطن داخل مصر فقط لا...انهم يسعون دائما لنشر قراراتهم الغير منطقية لمن هم خارج الوطن ...فلا تجد مثلا اي تقدير لمن يعمل خارج الوطن ويرسل ماله متدفقا إلى الوطن ...فدائماً التصريحات محبطة ومثبطة للآمال فعلى سبيل المثال إذا حدث وانتهى جواز السفر في الدولة التي تقيم فيها حاليا فإن قيمة تجديده عن طريق القنصلية تقدر تقريبا ب ١٥ ألف جنيها مصرياً ، وأما إذا أتلفته فعليك بدفع الضعف ويزيد قليلا عن هذا المبلغ ، هذا لأنك مواطن مصري ...وكلما ازداد البرد واشتد تجد قرارات أشد من البرد فتبدأ الحكومة في حصر مقتنياتك الشخصية ، من هاتف وحاسوب ولعبة إلكترونية هدية ...لتحدد قيمة تغريمك عليها فربما يأتي إليك الشيطان ويوسوس لك ببيعها داخل مصر فتتربح وترتكب جريمة نكراء شنعاء ...وهنا عليك ان تلتفت وتستدير بوجهك عائداً إلى الهاتف القديم فقديمك نديمك ...وإن كان لدي سؤال لدى المسئول المفكر ماذا لو حدثت ظروف قهرية لهذا المواطن على ارض بلده وباع هاتفه أليس من حقه ...ألم يأت به من حر ماله ومن خارج الأرض التي تعيش عليها ...وماذا لو باعه من أجل أن يتربح منه ربما كان هذا الهاتف هو كل ما ادخره في عامه او في أعوامه ...فليس كل من يخرج من مصر يخرج للعمل كسفير أيها المسئول ....لماذا يبدو المواطن المصري آخر ما تفكر به الحكومة ...لماذا يعيش دائماً في أزمة خوف وانعدام ثقة ؟!!!لماذا تخلقون منه كائناً متحايلاً على الظروف ؟!!!!نحن لا نطلب منكم سخاءً أنتم لا تملكوه ، بل نطلب عقلاً يفكر كيف يريح هذا الكائن المتعب ، الذي يتوارث التعب جيلاً بعد جيل ، خذوا أفكار الغرب وطبقوها طالما ان عقولكم متحجرة بالية ، أعطوا المواطن دخلا يرضيه ووفروا احتياجاته الأساسية في الحياة ، واخصموا من الضرائب ما شاء لكم ...ولنكتف بهذا القدر من منطق العقول الفقيرة.

تعليقات