الذي يقرأ الحوار في مؤتمر دافوس مؤخراً لابد أن يخرج بشيئين مهمين للغاية : أن مقياس نجاح الفرد ليس بمهاراته فقط وإنما بقدرته على التعامل مع الآخرين .
والأمر الثاني ألا تخشى من أعدائك الذين يهاجمونك بل احذر من الأصدقاء الذين يتملقونك.
فمؤتمر دافوس هذه المرة لم يكن مؤتمر كبار قادة أوروبا الذين يأتون لعرض أفكارهم ورؤاهم في حل مشكلات الأرض السياسية والاقتصادية وغيرها ، وإنما بدا كأنه مؤتمر للتوبيخ وفضح بعض الزعماء بل وفرض السيطرة والهيمنة من أمريكا على أوروبا ، وهنا تكون عودتنا ثانية إلى شخصية الرئيس ترامب الذي كان على العالم أن يفهم أنه ليس شخصية عشوائية أو هزلية كما يبدو للعوام ، او انه جاء بنفس الفكر القديم الذي لا يتبدل ولا يتغير لأن ذلك لن يتماشى مع عقلية رجل عمل في السوق باع واشترى وحسب خطوات الخسارة والمكسب ، وربما هذه الشخصية هي أنسب من يحكم أمريكا في وقت الأزمة الطاحنة التي تمر بها أمريكا الآن ، فمقياس نجاح رجل الأعمال هو ثباته وقت الأزمات وكيف له أن يبدو بفكر يتغير مع الظروف ولا يسقط مع هبوب الرياح ، فقد احتفظ من خلال تصريحاته ولعبه بالأوراق الاقتصادية بمكانة أمريكا أمام كل دول العالم فحرك اقتصادات دول بأكملها من وراء تصريحات ربما تراجع عنها بعد ان حقق أهدافاً لم تكن مادية فقط بقدر ما كانت نفسية عميقة ، وليس الرئيس ترامب كما ذكرت آنفاً هو الذي يسعى لحرب حتى لو لوَح بها ، لأن العالم الآن لم يعد العالم القديم المفكك الذي تستطيع أمريكا العظمى أن تشن فيه حرباً وتنهيها بارادتها ، فقد أصبح العالم ينقسم إلى تكتلات خطيرة ومهما بلغت قوة أمريكا فهي أمام تلك التكتلات واقتصادها المتهرئ والانقسام الداخلي بين الأحزاب واحتقان الشعب فلن تستطيع خوض حرب وتخرج منها منهزمة لأن ذلك لن يكون انهزام في حرب وإنما سقوط لأمريكا العظمى ، وهذا ما يحاول ترامب تجنبه ، ولذا فقد كان موقفه في مؤتمر دافوس عكس كل التوقعات ، فخاطب أوروبا خطاب الأب الحازم الذي لم يترك أحداً من أبنائه إلا وذكر عيوبه وفضائحه ومصائبه التي ارتكبها في حق الولايات المتحدة ، فنجده يوبخ أوروبا على عنادها مع الولايات المتحدة تجاه جزيرة غرين لاند التي يريد السيطرة عليها من الدانمارك لما تحتوي عليه من ثروات طبيعية وموقع استراتيجي وذلك ليظل في مواجهة الصين وروسيا ، وعتادها ايضا بحق أوكرانيا وغزة ، فكان أول ما تحدث عنه مذكراً أوروبا بأنها تتلقى الأدوية من أمريكا بثمن قليل للغاية ، بمعنى أنه لولا أمريكا لهلك الأوروبيون بسبب غلاء الدواء ، وسخريته من ماكرون كانت على إثر معارضة ما كرون لطلبات أمريكا مما دعا الرئيس ترامب لفضح رسائل ماكرون له بدعوته على العشاء بعد المؤتمر وكأنه يعلن أن ماكرون الذي يبدو قويا إنما يسترضيني ويترجاني خفية .
وقد أشار بلهجة حازمة إلى غرين لاند على أنه لن يحارب من أجل الحصول عليها فالولايات المتحده هي صاحبة القرار ، ملوحاً لأوروبا بأنها مدينة للولايات المتحدة بحمايتها اقتصادياً لأن لا أحد يستطيع الاقتراب منها بفضل جيش الولايات المتحدة .
وتوجه ترامب لنتنياهو بخطاب توبيخ يُفهم منه انه يُظهر حجم إسرائيل الحقيقي وأنها لا تملك حق الدفاع او الهجوم إلا من خلال الولايات المتحدة فالقبة الحديدية ليست إلا صناعة أمريكية .
وربما يتساءل البعض لماذا انصرف ترامب عن الشرق الأوسط مؤخراً ؟ وهل هو انصراف مؤقت ؟ فأقول إن الشرق الأوسط أصبح شرقا جديدا بعد التحالفات والتكتلات الجديدة التي تبدو مرعبة لمن يحاول ان يشن حرباً فتجد السعوديه وباكستان وتركيا من جهة ، وتجد العلاقات الجديدة بين مصر وباقي الدول العربيه من جهة اخرى بما فيها قطر ، والتي بموجبها أغلقت ثغرة عجز مصر مادياً عن تحمل نفقات الحرب ، ناهيك عن الدعم الاستراتيجي والسياسي ،فلم يعد الشرق بالشكل المفكك الذي كان عليه آنفاً ، ولم تفلح محاولات الانقسام التي أجريت من أجل تقسيم مصر وانهيارها ، وأحبط الرئيس السيسي كل مخططاتهم من أجل هدم مصر وهدم من يجاورها ، وحتى ما وصلت إليه غزه الآن من السعي إلى إعمارها بدلا من هدمها واستعمارها كان الفضل لله ولثبات الرئيس السيسي واستباقه بخطوات لما يحيكه الغرب من مؤامرات وصمت تجاه المجازر التي شاهدناها وعاشها أهل غزة الأبطال ، لذا كان نصيب الرئيس السيسي الشكر والتقدير لأنه واجه بحكمة وذكاء ودهاء ،لم تتوقعه الولايات المتحدة من زعيم عربي ، ولكن ما يحدث ليس النهاية السعيدة ، فاللعبة مازالت قائمة ، وإعادة ترتيب الأوراق وتغيير الخطط لا تنتهي لنظل دائما نقود ولانُقاد ، فلا ننتظر رأي مؤتمر دافوس بين الوعيد والشكر
