بعيد صلاة العصر ، كل يوم كان الزمن يتنحى جانبا في مطبخنا ليعلن بدء شعيرة لا تقبل الارتجال، لم يكن الأمر مجرد إعداد مشروب، بل كان طقسا روحيا يبث السكينة في أرجاء البيت. كانت والدتي تحافظ بولاء لا متناه على إرث حي السويقة العريق، وهي تحضر القهوة في الإبريق الأزرق المفضل لديها، و بصرامة مقدسة تراقب غليانها وتصاعد رغوتها ورائحتها التي تدغدغ الحواس والأرواح، على نار أهدأ من أنفاس الحاضرين، ثم تضعها على الرخامة لتهدأ، كأنما تمنحها مهلة لتسترد سكونها ووقارها قبل اللقاء المرتقب بالشفاه.
في المقابل، كان والدي رحمه الله يترقب فنجانه الحلو زيادة بغبطة تفيض من أساريره، كان يعشق تلك الجلسة المسائية رفقة والدتي، ولست أبالغ إن قلت إنها كانت أسمى لحظات يومه، شرط أن تكتمل بحضورها، وما كان يزيد المشهد حياة هي تلك المناكفات العذبة بسبب طعم القهوة، فوالدتي كانت ترى في شغفه بالسكر وتفضيله للقهوة بطعم القطر قلة ذوق وجهلا بأصول شرب القهوة على الطريقة القسنطينية الراقية، التي تقدس القهوة "الموز" (متوسطة الحلاوة المائلة للمرارة) بينما كان والدي يتجاهل كلامها محتفظا بحقه في تكريس ذوقه الخاص، فما إن يجد أن ذوق قهوته يفتقد إلى الحلاوة المحبذة لديه حتى تمتد يده نحو السكرية في خلسة المحب، ليفرغ ملعقته تحت رقابة والدتي الممتعضة، التي كانت تمزج نقدها بالخوف على صحته وبالتعصب لتقاليد الطعم الموز الذي جعلني اتساءل منذ الصغر إلى اليوم عن سبب تشبيه طعم القهوة المتوسطة الحلاوة بطعم الموز، تلك الدرجة التي تقف بحذر على الحافة بين المرارة والحلاوة، يمكن تشبيهها بألف طعم آخر غير طعم الموز!وليت نقد والدتي عند حدود المذاق، بل امتد لهندسة السكب! فالفنجان القسنطيني الأصيل حسب عرفها لا يجوز أن تتجاوز قهوته ثلثيه، ومن تزل يده بالملء فقد اقترف في عرفها خدشا لجمالية اللحظة وإهانة لأصول الضيافة.
أذكر يوما حل ببيتنا خالي وزوجته في زيارة مفاجئة ولم أكن قد حضرت من الغداء سوى ما يكفي لعددنا القليل : أنا وأبي وأمي وابن اخي. وجدت نفسي أهرول بين أرفف المطبخ، أسابق الوقت لأصنع من المتاح مأدبة تليق بضيوفنا، وحين حانت لحظة قهوة العصر، قدمت الصينية القسنطينية بكامل أبهتها من طقم الفناجين ومرش ماء الزهر إلى حاملة الملاعق وحاملة المناديل، لكن وفي لحظة سهو وأنا أحدث زوجة خالي تجاوزت قانون الثلثين في الفنجان الأول، لتنهال عليّ ملاحظات والدتي كوابل من التذكير بالبنود العريقة لتقديم القهوة.
تبادر الى ذهني سؤال الذوق الذي أثار جدل المفكرين: هل الأذواق لا تناقش؟
إن حالة والدتي ترفع الذوق من مجرد رغبة حسية إلى مرتبة الأصول والأخلاقيات. إنها تنحو به منحى "أوسكار وايلد" الذي يرى بأن الذوق الرفيع هو خط الدفاع الأخير ضد الابتذال. فصرامتها في ثلثي الفنجان ومرارة القهوة هي حراسة لهوية جماعية ترى أنها الأرقى والأصلح ضد فوضى العفوية لدى البدويين أو الليبيراليين الكافرين بأصولها الذوقية !
وفيما كان والدي وأنا في هفوة سكبي يمثل الحق في الذوق الشخصي والفلسفة العفوية في ممارسة ما نحب عند حدوده التي لا تؤذي أحدا غيرنا، كانت هي تمثل الذوق المعياري الذي يحفظ للمجتمع رقيه الجماعي. لقد كشف لي نقدها ذلك الخيط الرفيع بين حقنا في الاختيار، وواجبنا في احترام قوانين الإتيكيت، وكما يقول جبران: "ما أنبل القلب الذي لا يمنع الحواس من الاستمتاع، ولكن لا يتركها تملي عليه أحكامه"
الأجمل في كل ما تقدم أن سكر والدي قد ذاب في موز والدتي، ليصنعا مزيجا فريدا من العشرة الطيبة امتدت لخمسة عقود حيث أصبحت مرارة القهوة هي الحقيقة، وحلاوتها هي المودة التي جمعت بينهما تحت سقف واحد !
