معركة بطلها فستاني الأزرق..آمنة تباني

معركة بين الموضة وفستاني الأزرق

كم هو مرعب أن يجد تسونامي المادة أرواحا فارغة فيكتسحها ويضرب فيها بأطنابه ويفرخ فيها بتلك الترسانة الهائلة من المفاهيم الخاطئة التي تغدو عقائد يصعب تغييرها.
ظهرت في إحدى الصور بفستان ربيعي جميل أظنني اشتريته من أربع أو خمس سنوات ومازال محافظا على جدته لقلة ارتدائي له فاخترت أن أعيده إلى الواجهة احتفاء بقدوم فصل الربيع، فارتديته بحب ّ كبير والتقطت به بعض الصور في نزهة ربيعية فإذا بي أتفاجأ بتسونامي من التنمر والانتقادات والسخرية بسبب ذلك الفستان!
الموضوع لا يعدو عن كونه عادة سلبية تنامت مع تحول الحياة نحو عالم المواقع الإلكترونية أين توجد الحرية المطلقة لممارسة كل أشكال التعدي والانفلات الأخلاقي بل هو معركة ضد أيديولوجيا قمعية استعبدتها فكرة الموضة ولم تتوقف عند اتخاذها وسيلة للشعور بالذات ؛ بل تخطتها إلى الصدام مع كل من يتجاهلها أو يرفض تعاطيها، إن هؤلاء المستهلكين لكل ما يسوق لهم على أنه موضة وآخر صيحة دون التفكير في حق مخالفته أو نقده أو رفضه هم ضحايا الزمن السائل الذي تحدث عنه زيغموند بومان حيث كل شيء عابر و مؤقت، وقابل للاستبدال ؛ حتى القيم والعلاقات، والأفكار. 
وهنا تبرز مفارقة مضحكة مبكية ؛ ففي الوقت الذي توصل فيه العالم الغربي إلى نقد واع لتجربة الحداثة ومفرزاتها ومنها الموضة واهتدوا إلى فكرة الموضة المستدامة كفعل أخلاقي لحماية كوكب الأرض ، نجد الفراغ الروحي والبؤس الفكري لدى أجيالنا يدفعهم للسخرية من استمرارية القطعة وجمالها المتجدد وهنا استحضر قول الروائي الفرنسي "مارسيل بروست" "الأناقة هي خيال المرء عن نفسه"، وهذا يعني أن اختيار الإنسان لملابسه هو تجسيد لخياله المستقل، بينما فكرة الموضة التي تكبل عقول الكثيرين هي للأسف مجرد صدى لنهم السوق، هذا القرش الذي ما فتئ يتعاظم ويبتلع العقول الفارغة مكرسا لدكتاتورية المظهر حيث يتم اختزال قيمة الإنسان فيما يظهره من مظاهر حياتية تواكب طرحه الذي يفتقد في كثير من الأحيان إلى معايير المنطق والمنفعة.
إن العودة إلى الذات، والاعتزاز بما نحب بعيدا عن صخب الموضة الزائلة، هو فعل مقاومة ثقافي بامتياز، وهو الرد الوحيد الممكن على ضحالة تسعى لابتلاع كل ما هو أصيل وحميمي في حياتنا. والمجد كل المجد لكل قطعة قديمة تحقق بها نعمة الستر، و نجد فيها راحتنا النفسية، ونستشعر فيها دفء الذكريات، ونرى فيها جمالا تمليه أذواقنا ومعاييرنا الخاصة.

تعليقات