في زمن تتسارع فيه الصور أكثر من المعاني، وتعرض فيه الحياة قبل أن تعاش، وفي عالم تتحرك فيه الأصابع أسرع مما تتحرك العقول، أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي جزءا من يوم الإنسان لكنها في الوقت نفسه تحولت إلى بوابة واسعة لانتشار ثقافة المقارنة، لم يعد الناس يقارنون أنفسهم بما يصنعونه أو بالإنجازات التي حققوها، بل بما ينشره الآخرون من صور منتقاة ومشاهد لامعة لا علافة لها بواقعهم.
ومع انتشار السوشيال ميديا او ما يمكن تسميتها "الاعلام البديل" ؛ أصبحت المقارنة عادة يومية تمارس دون وعي وأصبح الشخص المستخدم لها والمدمن عليها، يقارن أسوأ ما يشعر به بأجمل ما لدى الآخرين، ويجد نفسه أمام مفارقة دقيقة بين حاجته إلى التعبير، وحقه في أن يعيش تجربته بعمقها الصامت. فبعض النعم لا تخفى؛ لأن الحديث عنها قد يكون لونا من ألوان الشكر، أو نافذة للأمل، أو دعوة صامتة توقظ في الآخرين شوقا للسير في الطريق. فالإعلان عن الخير أحيانا ليس بحثا عن الظهور، بل مشاركة للمعنى وبعث للحياة في القلوب. غير أن هذا الإظهار، رغم وجاهته، يظل مشروطا بنية القلب واتزانه، إذ يبقى الإخفاء في مواضع كثيرة أكثر أمنا على الروح، وأقرب إلى صفاء العلاقة بين الإنسان وتجربته الخاصة، وأبعد عن تشتت المعنى وسط ضجيج العرض.
غير أن الإشكال الحقيقي اليوم لا يقف عند حدود الإظهار أو الإخفاء، بل يتجاوزهما إلى سؤال أعمق وأكثر إرباكا فكان إظهار بعض الخير جائزا، بل ومحمودا أحيانا، فمتى يتحول الأمر من التحدث بنعمة إلى تقديم للنفس؟ ومتى يكون القلب حاضرا مع اللحظة نفسها، يعيشها بكامل صدقها، ومتى يبدأ بالانشغال بكيف سيبدو داخلها بدل أن ينغمس فيها؟
هذا التوتر الجديد أعاد تشكيل علاقتنا بذواتنا، فصارت السوشيال ميديا مساحة لا نعيش فيها اللحظة فقط، بل نراقبها أيضا أثناء حدوثها. وهنا تبدأ الإشكالية الحقيقية: هل نحن نعيش حياتنا أم نعرضها؟ وهل ما نشاركه امتداد صادق للذات، أم صورة يعاد تشكيلها تحت نظر الآخرين؟
أخطر ما صنعته هذه الوسائط أنها جعلتنا نرى أنفسنا من الخارج باستمرار، حتى في أكثر لحظاتنا خصوصية. لم نعد نعيش اللحظة كاملة، بل نعيشها منقسمة بين داخل يشعر، وخارج يراقب. وكأن في داخل الإنسان مشاهدا خفيا لا يتوقف عن طرح أسئلته: كيف أبدو الآن؟ كيف يراني الآخرون؟ وكيف ستقرأ صورتي بعد قليل؟ هذا الانقسام يجد صداه في ما أشار إليه عالم الاجتماع "إرفينغ غوفمان "في كتابه The Presentation of Self in Everyday Life حين شبه الحياة بالمسرح، والإنسان بالممثل الذي يؤدي أدوارا أمام الآخرين. غير أن هذا التصور، في زمن المنصات الرقمية، لم يعد مجرد استعارة اجتماعية، بل أصبح حالة دائمة من المراقبة الذاتية، حيث يتحول العيش نفسه إلى أداء مستمر، يدار بعين الجمهور قبل عين التجربة.
ومن منظور أعمق، يلفتنا القرآن الكريم إلى خطر الانشغال بالظاهر على حساب الجوهر، حيث يقول الله تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ (الروم: 7). وهو تنبيه إلى أن الاكتفاء بالسطح، مهما بدا لامعا، قد يحجب الإنسان عن عمق المعنى وصدق الإدراك.
كما يمكن استحضار ما عبر عنه الفيلسوف "إميل سيوران" بقوله:( الوعي المفرط بالذات هو بداية الاغتراب.) وهي عبارة تختصر حالة الإنسان حين يتحول من كائن يعيش التجربة إلى كائن يراقبها، فيفقد تلقائيته ويبتعد شيئا فشيئا عن ذاته الأصلية.
وهكذا ، لم تعد الإشكالية في أن نظهر حياتنا أو نخفيها فقط، بل في أن نعيد بناء علاقتنا باللحظة نفسها: هل نعيشها من الداخل، أم نكتفي بمراقبتها من الخارج؟ هل نسكنها قلوبنا، أم نتركها تتحول إلى صورة تصاغ أمام الآخرين؟ ويبقى السؤال مفتوحا، وربما أكثر إلحاحا من أي وقت مضى ، هل ما زلنا نعيش حياتنا أم أصبحنا نكتفي بمشاهدتها من الخارج؟
زمن السوشيال ميديا..بقلم الأستاذة/ نزهة صفي
تعليقات
