من أم كلثوم إلى المهرجانات .. هل تغيّر الذوق أم تغيّر المجتمع؟..بقلم الدكتور/ محمد حسن يوسف

لماذا لم يعد المصريون يسمعون أم كلثوم؟ ولماذا تراجع حضور عبد الحليم حافظ لصالح “المهرجانات” الصاخبة؟ ولماذا صار العنف لغةً يومية، والقراءة عبئًا ثقيلاً؟ أسئلة يطرحها كثيرون بنبرة حنين ممزوجة بغضب، وكأن المجتمع انقلب فجأة على نفسه، وتخلّى عن “ذوقه الرفيع” لصالح الفوضى والابتذال. لكن الحقيقة أكثر قسوة: المجتمع لم ينحدر… بل تغيّرت شروط حياته.

لم يسقط الذوق… سقطت المعايير: في زمن أم كلثوم، لم يكن الوصول إلى الجمهور متاحًا للجميع. كانت هناك مؤسسات تصنع “النجومية” وتفرض معايير صارمة للجودة. لم يكن أي صوت يصل، بل الصوت الذي يمر عبر “بوابات” ثقافية وإعلامية دقيقة. ماذا يحدث اليوم؟ هُدمت البوابات. صار كل هاتف استوديو، وكل منصة مسرحًا. لم تعد القيمة فيما يُقدَّم، بل في عدد من يشاهد. وهنا تحوّل الذوق من “ذوق مُوجَّه” إلى “ذوق مُشتَّت”، ومن جودة تُصنع إلى ضجيج يُستهلك.
المهرجانات ليست فنًا هابطًا… بل صرخة اجتماعية: الهجوم على “المهرجانات” سهل… لكنه سطحي. هذه الموسيقى ليست مؤامرة على الذوق العام، بل نتاج واقع قاسٍ: ضغط اقتصادي خانق، وبطالة أو هشاشة وظيفية، وإحساس عام بالقلق وعدم اليقين. في مثل هذا المناخ، لا يبحث الإنسان عن قصيدة طويلة، بل عن تنفيس سريع. لا يريد أن يتأمل… بل أن يصرخ. المهرجانات هي صوت الشارع حين لا يجد منصة أخرى. هي ليست بديلًا عن عبد الحليم حافظ… بل انعكاس لزمن لم يعد يشبه زمنه.
العنف ليس جديدًا… الجديد أنه أصبح مرئيًا: يقال إن المجتمع أصبح أكثر عنفًا. لكن السؤال الأدق: هل زاد العنف، أم زاد ظهوره؟ ما تغيّر هو أن الأقنعة سقطت. لغة الشارع خرجت من الهامش إلى العلن. ما كان يُقال همسًا، أصبح يُقال بصوت مرتفع. العنف هنا ليس سلوكًا طارئًا، بل لغة احتجاج خام في مجتمع تتراجع فيه المساحات الراقية للتعبير.
لماذا هُجرت القراءة؟ الأمر ليس لغزًا. نحن نعيش في عصر “الانتباه السريع": فيديو في 30 ثانية يهزم كتابًا في 300 صفحة. وشاشة تسرق العقل قبل أن يلتقط أنفاسه. وتعليم يطلب الشهادة لا المعرفة. القراءة تحتاج وقتًا وهدوءًا وتركيزًا… وهذه كلها سلع نادرة اليوم. الأخطر من ذلك: الإنسان لم يعد يرى عائدًا مباشرًا للقراءة. فلماذا يقرأ إذا كانت المعرفة لا تغيّر موقعه في السلم الاجتماعي؟
المؤسسات غابت… فحكم السوق: في الماضي، كانت هناك يد تُوازن: مؤسسات ثقافية، وإعلام موجّه، ودعم للفنون الراقية. أما اليوم، انسحبت هذه اليد، وترك المجال للسوق. والسوق لا يسأل: هل هذا جيد؟ بل يسأل: هل هذا يُباع؟ وهنا تُختزل الثقافة في “منتج”، ويُختزل الإنسان في “مستهلك”.
الخلاصة: المشكلة ليست في الناس… بل في البيئة: من السهل أن نتهم المجتمع: بأنه فقد ذوقه، أو تخلى عن قيمه، أو استسلم للسطحية. لكن هذا هروب من الحقيقة. الناس لم تتغير فجأة…بل البيئة التي تصنع وعيهم تغيّرت جذريًا.
السؤال الحقيقي ليس: لماذا اختفت أم كلثوم؟ بل: لماذا لم نعد قادرين على إنتاج “أم كلثوم جديدة” تناسب هذا العصر؟ وليس: لماذا انتشرت المهرجانات؟ بل: لماذا لم نطوّر بدائل راقية قادرة على المنافسة؟ وبعبارة موجزة، إذا أردنا عودة الزمن الماضي فلا يمكننا إلا استعارة كلمات الست: "وعايزنا نرجع زي زمان ... قول للزمان ارجع يا زمان"!
وختاما: لا يمكن استعادة الماضي بالبكاء عليه. ولا يمكن مواجهة “المهرجانات” بالمنع أو السخرية. الحل يبدأ من: تعليم يُنتج إنسانًا مفكرًا لا حافظًا، وثقافة تُدعم بوعي لا تُترك للسوق وحده، واقتصاد يمنح الإنسان أملًا… لا مجرد قدرة على البقاء. حينها فقط… قد نسمع موسيقى جديدة، لا تشبه أم كلثوم… لكنها تملك نفس العمق.

تعليقات