الشباب نبض الوجود ، ومرايا التجدد
والاستمرار. الشباب ليس مجرد فئة عمرية ؛ لكنه إنسانٍ كامل يحمل داخله استعدادًا
للتعلم ، ورغبةً في التجربة ، واندفاعًا نحو التطور. ومن ثم يقف العالم في الخامس عشر
من يوليو سنويًّا وقفة تذكير وتقدير وتكريم لهذه الطاقة الكامنة التي تُمسك بزمام
المستقبل..إنه "اليوم العالمي لمهارات الشباب". إن هذا اليوم
ليس مجرد مناسبة عابرة تُطوى صفحاتها بانتهاء ساعات النهار، بل هو إعلان صريح بأن قوة
الأوطان المتوهجة وعقولها الحية تكمن في سواعد شبابها ، إعلان صادق بأن الأمم لا
تُبنى بالشعارات ، بل تُصنع بالعقول وهي تتَعلَّم ، وبالأيدي وهي تُنجز ، والشباب
هم كل ذلك وأكثر ؛ فهم الذين يحملون في عيونهم بريق الغد وفي قلوبهم شغف البناء. وحين
نحتفل بمهارات الشباب فإننا نحتفل بقدرة
المجتمع على أن ينهض ، ليس بوعودٍ مؤجلة ، بل بإنجازٍ ملموس.
إن
اليوم العالمي لمهارات الشباب هو تذكير بليغ بأن المعرفة بلا مهارة شجرة بلا ثمر،
وأن الشباب الذين يمتلكون مهارات العصر هم فرسان الرهان الحقيقيون. دعونا لا ننظر
إليهم كأرقام في إحصائيات البطالة أو كأوعية نملؤها بالمعلومات ؛ فهم شعلة وهاجة من
الطموح والابتكار تنتظر من يهيئ لها الدرب لتضيء عوالمنا.
ولم يكن الفكر الإنساني لِيبلغ هذا التقدير لولا أن سبقه هديُ السماء ؛ فمن يتدبر نصوص الإسلام وتاريخه ، يجد
أن الشاب كان دائمًا في طليعة البناء وصناعة التحول. لقد نظر الإسلام إلى مرحلة
الشباب بوصفها فترة القوة بين ضعفين ، كما يصوّرها القرآن الكريم في سورة الروم
آية 54:
﴿اللَّهُ الَّذِي
خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ
مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً﴾
هذه "القوة" هي
أمانة ومسؤولية عظمى يُسأل عنها الإنسان يوم القيامة ؛ ففي الحديث النبوي الشريف: "لا تزولُ قدَما عبدٍ يومَ القيامةِ حتَّى يُسألَ عن
أربع..." وذكر منها: "وعن شبابِهِ فيما أبلاهُ".
ولم يكتفِ الإسلام
بالتوجيه النظري ، بل جسّد ذلك في واقع حيّ معاش؛ فها هو الرسول الكريم ﷺ يُعين معاذ
بن جبل قاضيًا ومُعلّمًا لليمن وهو في ريعان شبابه ، ويُقلّد أسامة بن زيد قيادة
جيش يضم كبار الصحابة. لقد كان الإسلام حريصًا على استكشاف طاقات الشباب وتوجيه
مهاراتهم ، فجعل من الذكاء حكمة ، ومن القوة والاندفاع بناءً وتعميرًا ، حاميًا
عقولهم بوازع العقيدة وسواعدهم بدعائم المهارة والعمل النافع.
وفي معرض الاحتفاء بالشباب ومهاراتهم نشير إلى أن استثمار الطاقات
الشابة وتنمية مهاراتها لا يمكن أن ينجح بجهود فردية مبعثرة ، بل يتطلب
أيضا رؤية وطنية شاملة تتشابك فيها الأيادي وتتكامل فيها الأدوار: فالحكومات
والدول يقع على عاتقها رسم السياسات التعليمية والتدريبية التي تُجسّر الفجوة
بين مقاعد الدراسة وسوق العمل ، وتوفير البيئة التشريعية الآمنة التي تحمي الإبداع
وتدعم المشاريع الريادية الناشئة. والمؤسسات التعليمية والتدريبية يجب أن
تنهض بتحويل التعليم إلى ممارسة. والمؤسسات الأكاديمية والمدنية
هي مصانع العقول والوجدان ، تهتم بصقل المهارات الحياتية وحل المشكلات المعقدة ،
والعمل الجماعي ، فضلاً عن التوجيه المهني المبكر الذي يضمن وضع الرجل المناسب في
مكانه المناسب منذ البداية. أما القطاع الخاص فدوره المطلوب
هنا تحويل المهارات إلى إنتاج وحلول ؛ فهو ميدان الانطلاق ،
وحريّ به ألّا يقف موقف المتفرّج أو المستهلك الفردي للمهارات ، بل يجب أن يبادر بفتح أبواب التدريب الميداني ،
ورعاية المبتكرين ، والاستثمار في عقول الشباب من خلال حاضنات الأعمال ، إيمانًا بأن
رأس المال البشري الماهر هو الضمانة الحقيقية لاستدامة الاقتصاد وازدهاره.
ولكل المهتمين باليوم العالمي لمهارات الشباب أقول: لا يكفي
أن نهنئ الشباب بالكلمات مكتوبة أو مسموعة ، بل نكرّمهم بتوفير فرص التعلم ، وبفتح
أبواب التدريب ، وبناء شراكات حقيقية بين التعليم وسوق العمل ، وبإطلاق طاقات
الإبداع دون خوفٍ من الفشل. وإذا أردنا أن
تكون الأوطان أكثر عدلًا وازدهارًا ، فعلينا أن ننظر للمهارات على أنها حقٌّ لا
ترفًا .. حقّ في التعلّم ، وحقّ في التطبيق ، وحقّ في أن تُمنح الكفايات فرصةً
لتُثمر. إن شباب اليوم هو المستقبل نفسه ، وهو يتشكل في الورش والمختبرات والبرامج
والمشاريع.
