لن أكذب على القارئ، فأنا لست من جمهور كرة القدم أصلا لم أكن يوما من الذين ينتظرون المباريات أو يحفظون أسماء اللاعبين أو يجلسون بالساعات أمام الاستوديوهات التحليلية ، بل إنني لم أشاهد مباراة مصر والأرجنتين نفسها، وكل ما عرفته عنها كان من خلال اللقطات التي انتشرت أثناء المباراة على مواقع التواصل الاجتماعي، ومن ردود أفعال المصريين. وربما كانت تلك المصادفة هي التي جعلتني أرى شيئا لم أكن سأنتبه إليه لو كنت منشغلا بما يدور داخل المستطيل الأخضر. ما شدني لم يكن هدفا ضائعا ولا قرار حكم ولا تبديل لاعب، وإنما المصريون أنفسهم. كنت أقرأ التعليقات وأشاهد الوجوه وأتابع حالة القلق والحزن والغضب التي سيطرت على الناس، فشعرت أن الأمر أكبر من مجرد مباراة كرة قدم. كان واضحا أن الذي يلعب في نظرهم ليس فريقًا فقط، وإنما مصر وأن اسم الوطن وحده كان كافيا ليحرك كل هذه hلمشاعر الصادقة.
خرجت من هذا المشهد بقناعة لم تتغير، وهي أن المصري قد يختلف مع أخيه في الرأي أو الفكر أو السياسة أو حتى في تفاصيل الحياة اليومية، لكنه عندما يتعلق الأمر (باسم مصر) ينسى كل هذه الخلافات. فجأة يصبح الجميع في اتجاه واحد، لا يسأل أحد عن انتماء الآخر ولا عن النادي الذي يشجعه، لأن العلم المصري في تلك اللحظة يطغى على كل الانتماءات الأخرى، وهذا في حد ذاته ثروة لا تملكها كثير من الشعوب.
ولعل أكثر ما لفت انتباهي هو هذا الالتفاف الكبير حول المنتخب بقيادة الكابتن حسام حسن بعيدًا عن أي تحليل فني، شعرت أن الناس أحبت هذا الفريق لأنها رأت فيه روحا تقاتل من أجل مصر، ورأت لاعبين يشعرون بقيمة القميص الذي يرتدونه قبل أن يفكروا في أي شيء آخر. ولذلك لم يكن الالتفاف حول المنتخب مجرد تشجيع رياضي بل كان تعبيرا عن الانتماء إلى الوطن. لكن هنا جاءت الفكرة التي ظلت تدور في رأسي. إذا كان المصري قادرا على أن يخرج كل هذا الحب وكل هذا الانتماء من أجل منتخب يحمل اسم بلده، فلماذا لا تنتقل هذه الروح إلى بقية ميادين الحياة؟! لماذا لا يدخل الطبيب إلى المستشفى وهو يشعر أنه يدافع عن مصر كما يدافع اللاعب داخل الملعب، ولماذا لا يدخل العامل إلى مصنعه بالإحساس نفسه، ولماذا لا يقف الأستاذ في جامعته، والمعلم في مدرسته والباحث في معمله والمهندس في موقعه والقاضي على منصته وكل واحد منهم يشعر أنه يرتدي قميص مصر وإن لم يكن مكتوبا عليه اسم المنتخب.
الوطنية لا ينبغي أن تظهر فقط عندما تبدأ صافرة المباراة، وإنما يجب أن تكون حاضرة في كل (صباح) نخرج فيه إلى أعمالنا. فالمستشفى التي تنقذ مريضا ترفع اسم مصر، والمصنع الذي ينتج بجودة يرفع اسم مصر والجامعة التي تخرج عالما يرفع اسم مصر والمدرسة التي تصنع جيلا واعيا ترفع اسم مصر والموظف الذي يؤدي عمله بضمير يرفع اسم مصر. كل واحد منا يستطيع أن يكون لاعبا في موقعه وكل نجاح يحققه أي مصري هو هدف جديد يسجل في مرمى التخلف واليأس.
أعتقد أن أجمل ما كشفته هذه التجربة ليس مستوى المنتخب، وإنما مستوى (الانتماء الكامن) داخل هذا الشعب. لقد أثبت المصريون أنهم لا يبخلون على وطنهم بالمشاعر، وأنهم يفرحون إذا ارتفع اسم (مصر) ويحزنون إذا انكسر، وهذه طاقة هائلة لو نجحنا في توجيهها نحو العمل والإنتاج والتعليم والبحث العلمي والثقافة واحترام القانون فسوف نصنع معجزة حقيقية. لا أريد أن يبقى هذا الانتماء حبيس المدرجات أو مرتبطا بمباراة تنتهي بصافرة حكم أتمنى أن يتحول إلى ثقافة يومية، وأن يشعر كل واحد منا وهو يؤدي عمله أنه يمثل مصر كما يمثلها لاعب يرتدي قميص المنتخب. يوم يحدث ذلك لن يكون أعظم انتصار لنا هو الفوز في مباراة لكرة القدم، وإنما سيكون الانتصار الحقيقي أن تنتصر مصر في كل مستشفى وكل مصنع وكل جامعة وكل مدرسة وكل معمل وكل مؤسسة وفي كل شبر من أرض هذا الوطن.
