الثراء الحقيقي..بقلم المبدعة المغربية د/ نجية الشياظمي

تربينا جميعا و كبرنا على أن المال هو رمز و معنى الثراء ، و كل من لا يملك القدر الكافي منه فهو فقير وربما معدم . لكن المعنى الحقيق للثراء و الذي نكتشفه حينما نكتسب حكمة الحياة ، يصبح في أعيننا هو : الصحة ، صحة العقل و البدن أعظم ثراء ، يكفي أن نتحرك كيفما نشاء و دون آلام ، بل و دون أدوية مزمنة ترافقنا في كل مكان و زمان ، فالصحة الجيدة  توفر علينا هدر الكثير من المال في الأدوية و العلاجات ، صحة العقل أيضا جزء لا يتجزأ من صحة المرء و ثرائه. فكل عضو فينا يقوم بوظائفه على أتم وجه هي ثروة لا تقدر بمال. 
الثروة أيضا هم الأبناء ، ثراء و سعادة لا تقدر بثمن و هم صغارا بين يديك ، و أيضا و هم كبارا ناجحين سعداء و نحن مفتخرين بهم . أبناؤنا المستقيمين الصالحين ثروة لا تضاهيها ثروة . 
الأمن و الأمان الذي نبيت فيه و نصبح عليه ثروة عظيمة . يكفي أننا نغمض أعيننا فننام ملأ جفوننا ، دون رعب و لا خوف و لا هلع . هذه ثروة لا تشترى بمال . بيتك الذي تقيم فيه رغم ضآلته أو بساطته ثروة ، يكفي أنه لك و يحميك قيظ الصيف و قر الشتاء . هو عالمك الصغير حيث تمارس حياتك الخاصة بكل حرية و راحة .
الثراء الحقيقي أيضا ألا أحد يمنعك من خيرات الطبيعة التي خلقها لنا الخالق ، تلك السماء الصافية أو المكفهرة ، و التي لا يمنعك احد من مشاهدتها و إمعان النظر في جمالها ،  خصوصا بالليل و نجومها الساطعة تهمس لك و توشوش لها عبر آلاف السنوات الضوئية . ذلك القمر الساطع أيضا هو لك لا أحد يمنعك من جماله أو السهر معه . تلك الجبال الشامخة و التي لن يمنعك أحد في تسلقها لو رغبت بذلك . و تلك الغابات الكثيفة بكل أنواع أشجارها و حيواناتها و بعدد أوراق شجرها أيضا ثروة ، يكفي أنك تستنشق هناك أجمل هواء و أنقاه ، ناهيك عن باقي الثروات من بحار و صحار و رمال .
 فحتى تلك الشعوب التي لم يسبق لك التعرف عليها ، يمكنها أن تكون ثروة لو فكرت في السفر إليها و زيارتها و التعرف عليها و التعلم منها أيضا.
كل ما في هذا الوجود ثروة طالما إحساسنا بها موجود و متوفر . فالثراء شعور داخلي يغمرنا و يجري في داخلنا مجرى الدم ، بإحساس الرضا و السعادة ، ليست أوراقا مالية و لا حسابات بنكية ، هي أرصدة روحية نزودها كل يوم بالشكر و الامتنان  فتزداد و تنمو و تكبر طالما إحساس الحاجة و العوز بعيد عن تفكيرنا و عقولنا.
تعليقات