
هل نصلح الأسرة بالقانون ، أم نعترف ضمنا أن الأسرة قد انهارت قبل أن نلجأ إليه؟ و قد كان سؤالا وجيها ، خصوصا أن نسب الطلاق في عالمنا العربي و دون استثناء ، قد تجاوزت الحد المعقول ، و مع أننا يمكننا اعتباره أحد الحلول المؤلمة ،و التي لا مفر من اللجوء اليها أحيانا .
أما فيما إذا كنا نصلح الأسرة بالقانون ؟ فلا أعتقد ذلك ، لأن الأسرة هي من تضع قوانينها بنفسها حتى يتسنى لها أن تسير بأمن و أمان إلى شاطئ المودة و السكينة و الرحمة .كما انها تجنب أفرادها كل تمزق أو تفكك كثيرا ما تكون نتائجه وخيمة و كارثية عليهم . سريعا ما تنعكس على المجتمع بأسره و أكمله . فالقانون لا يمكنه إصلاح ما أفسدته الأيام ، هو يأتي فقط في المرحلة النهائية ، كي يحسم الجدل ، و يجنب أفراد الأسرة الدخول في صراعات قوية ، تنتهي أحيانا بالقتل في أقصى الحالات .
أما القوانين الحقيقية التي يمكنها أن تجنب المجتمع هذه المشاكل ، فهي تلك التي توضع في بداية تأسيس الأسرة منذ أيامها الأولى ، و قد لا تكون قوانين مسطرة بالورقة و القلم ، لكنها يمكن أن تكون مجرد ، قواعد يتفق عليها طرفا العلاقة ، ليسيرا عليها معا خلال حياتهما ، و تعفيهما من التخبط و الخوض في كل مرة في جدالات عقيمة ، فات أوان النقاش فيها . و قد تكون قواعد مرنة قابلة للتعديل في كل مرة وجب ذلك ، لذلك فإن بناء أسرة أصعب و أخطر بكثير من بناء بيت أو عمارة ، تنهار بسبب عدم صلابة أسسها ، فتترك وراءها العديد من الضحايا .
و هكذا فإننا غالبا ما نجد مجتمعاتنا تستعد لإقامة حفلة العرس أكثر مما تقوم به لأجل إنجاح زواجات أبنائها . فالحياة الزوجية و الأسرية تحتاج إلى العديد من المقومات حتى تستقيم و تعطي أكلها ، لذلك فان تدخل القوانين لا يكون إلا كما يكون العلاج بالكي حينما تفشل كل وسائل العلاج .
و نحن نعلم جميعا أن نهاية الأسرة و ذلك الميثاق الغليظ هو الطلاق ، ذلك الحلال البغيض عند الله سبحانه و تعالى لكنه في نهاية المطاف حلال ، لأنه قد يكون آخر ما يلجأ إليه طرفا الزواج حينما تتعذر العشرة بينهما .
و نحن نرى و نعيش يوميا العديد من الأسر التي تنهار و تجعل الطلاق حدا لعلاقاتها الزوجية ، كما يجعل اليائس من حياته حدا لها لعدم قدرته على التحمل أكثر !
و شخصيا أعتبر المجتمع بكل شرائحه مسؤولا عن فشل العلاقات الزوجية ، لأنها منظومة متكاملة تبدأ بالأسرة و تنتهي بالأسرة ، فالأفراد الذين ينحدرون من أسر فاشلة أصلا من بدايتها ، و يكونون نتاج أسر شبه مفككة ، غالبا ما يكون مآلهم نفس مآل أسرهم التي عاشوا فيها . لذلك فإن التوعية قد تكون أهم أسباب الوقاية من هذه المشكلة العويصة التي تودي بمجتمعاتنا إلى الانهيار الخلقي و الاجتماعي . التوعية بخصوص التربية منذ البداية ، لأنها هي أساس ما سيحصل عليه المجتمع لاحقا من أفراد أسوياء صالحين و بنائين أو أفراد منحرفين ، يجنون على أنفسهم و أبنائهم و يعرضونهم لنفس المصير المشؤوم .
المشكلة قد تكون في القلوب التي لا تتفكر كيف تتجنب و تجنب فلذات أكبادها كل ذلك التعب و الإرهاق . وإذا كنت قد حملت المسؤولية كل أفراد المجتمع منذ البداية ، فسأعود و أحملها لكلا طرفي العلاقة من زوج و زوجة ، لأنهما وحدهما القادرين على إنجاح أو إفشال علاقتهما . فحينما ينعدم الحوار و قبله وضع قواعد صحية تساهم في سير الحياة على ما يرام ، بالإضافة إلى مساهمة الأهل و المحيط الذي يعيشان فيه و يحتكان به ، له أيضا دوره في تلطيف الأجواء ، و القيام بالوساطة الجيدة التي تساهم في إنجاح تلك العلاقة . فكل أسرة ناجحة هي قيمة مضافة للمجتمع بأسره ، و تساهم إما في رقيه أو انحداره .
أرجو أن نعي جميعا أن الزواج ليس اجتماع شخصين تحت سقف واحد فقط ، أبدا بل هو حياة مشتركة تحتاج إلى الكثير من الصبر و الاجتهاد و المثابرة .