الأستاذة نزهة صفي..تكتب: اختفاء الأطفال ، الواقع و سبل الحماية

ظاهرة اختفاء الأطفال هي حالة يغيب فيها طفل او قاصر عن أسرته ، سواء كان الاختفاء طوعيا او غير طوعي ، و الظاهرة قديمة جدا و معترف بها عالميا ، و غالبا ما تكون نتيجة هروب الأطفال بسبب النزاعات الأسرية او عبر عمليات خطف منظمة أو فردية.
و تعد ظاهرة اختفاء الأطفال من الجرائم الخطيرة التي تعاني منها العديد من دول العالم ، هذه الظاهرة التي اكتسحت المجتمعات و انتشرت بكثافة في الآونة الأخيرة ، حيث أصبحت مصدر قلق عالمي يدق ناقوس الخطر و يبث الرعب في كل أوساط المجتمعات العربية و الدولية بصفة عامة. كل يوم نصبح أو نمسي على أخبار اختفاء طفل أو قاصر ، عناوين عريضة تنشر على مواقع التواصل أو نشرات الأخبار، إنها جراح تنزف في قلوب الآباء والأمهات، وتشعل في النفوس موجة من القلق والخوف.

في الساحة المحلية، يشهد المغرب منذ الأشهر الأخيرة ما يمكن وصفه بتزايد ملحوظ في بلاغات اختفاء أطفال في عمر الزهور، في مجموعة مختلفة من المدن و القرى، ما أثار قلق الأسر وجعل الجهات الأمنية تكثف جهود البحث باستخدام فرق متخصصة وأجهزة وآليات متعددة.
و الأسباب متعددة ممكن تحليلها من عدة زوايا كالضعف الأسري و النزاعات العائلية، و الرغبة في التبني او الاستغلال من أجل التسول أو المتاجرة بالأعضاء، ضعف الوازع الديني و ضعف التوجيه المدرسي و عدم التربية الصالحة من طرف الأسرة.
ففي مطلع سنة 2026، شهد المغرب حالات اختفاء لأطفال ،في ظروف غامضة، أثارت قلق الأسر و السلطات الأمنية، و دفعت الى تفعيل جهود مشتركة للبحث و الاستجابة.
حالات اختفاء الأطفال عن أسرهم يطرح تساؤلات حول الأسباب ، ففي بعض المناطق لوحظت ظواهر مرتبطة بالخرافات و المعتقدات مثل الاعتقاد في التنقيب عن الكنوز باستعمال الأطفال الزوهريين،
و الخلافات الأسرية تؤدي إلى هروب بعض الأطفال القاصرين من منازلهم، كذلك التنمر و الصراع في المدارس له دور في هروب المراهقين بحثا عن بيئة أكثر امانا في اعتقادهم. بالإضافة الى العزلة و المشاكل النفسية. أيضا نجد شبكات تنشط في الاختطاف لأغراض مختلفة مثل العمل القسري و الاستغلال الجنسي أو الاتجار في البشر (بيع الأعضاء). و سوء استخدام التكنولوجيا والاستدراج عبر الإنترنت.

و كنمادج حديثة لحالات أطفال مختفين في المغرب (2026)
الطفلة هبة من مدينة أزيلال اختفت عن أهلها يوم 15فبراير 2026، تم العثور عليها جثة هامدة في بحيرة بين الوديان ، تلتها حالة اختفاء الطفلة سندس، ذات السنة و النصف من عمرها ، بشفشاون يوم 26 فبراير 2026، ثم الرضيع يونس و الذي يبلغ من العمر سنة واحدة، من إقليم زاكورة، اختفى في بداية مارس 2026،، للإشارة الطفلة سندس و الطفل يونس مازالا في طور البحث، مما أثارا اهتمام المجتمع و السلطات و الإعلام لسبب ظروف البحث الصعبة.
و رغم كل هذه الظروف إلا أن السلطات المغربية تقوم بمجهودات كبيرة في تعميق البحث و بتوسيع الآليات، و التعاون مع المنصات الرقمية التي أطلقتها الأجهزة الأمنية لمتابعة الإبلاغ و الإنذار بنشر صور المفقودين.
فالسلطات والمجتمع يدعون اليوم إلى عدم الاقتصار على التدخل الأمني فقط، بل ضرورة تعزيز التوعية المجتمعية، وتفعيل آليات الإنذار المبكر (مثل أنظمة “طفلي مختفي”)، وإدراج برامج للتربية الوقائية داخل المدارس لتعليم الأطفال كيفية التعامل مع المواقف الخطرة.
و لعل أهم جانب في مواجهة هذه الظاهرة هو التوعية وأخذ الحيطة، وضمان بيئة آمنة للأطفال:
التواصل الأسري المفتوح للوالدين مع أطفالهم بانتظام وأخبارهم بكيفية التعامل مع الغرباء أو المواقف الغامضة.
التثقيف الرقمي و مراقبة استخدامهم للهواتف والإنترنت، وتعليمهم قواعد الأمان الرقمي.
و تفعيل قنوات الإبلاغ و تعزيز أنظمة الإنذار و الإبلاغ المبكر فور الاختفاء، و كذا
إشراك المجتمع، و دعم التعاون بين السلطات و المجتمع المدني للبحث و التحري.
و إنشاء نظام وطني متكامل للتبليغ والبحث، يشمل إنذارات سريعة وفرق استجابة متخصصة.
أيضا إدراج برامج تعليم السلامة الشخصية في المناهج المدرسية، و عقد شراكات بين السلطات والأسر لتعزيز الوعي والتعليم الوقائي. و أيضا تفعيل دور وسائل الإعلام بحذر ومسؤولية لنشر بلاغات البحث دون تهويل يصيب المجتمع بالذعر.

ظاهرة اختفاء الأطفال هي جريمة اجتماعية و إنسانية تحتاج إلى تظافر الجهود الحكومية و المجتمعية و الأسرية
و التعليمية، و تطبيق حلول عملية متطورة ،
و الحماية و التوجيه و اليقظة ، لأن الطفل أمانة و مسؤولية ، كما جاء به القرآن الكريم في قوله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾.
و في الحديث النبوي الشريف الذي رواه البخاري و مسلم، يقول صلى الله عليه و سلم: كلكم راع و كلكم مسؤول عن رعيته.

تعليقات