إيض يناير 2976 .. نزهة صفي..تكتب: المغاربة يجددون العهد مع ذاكرة الأجداد

 يحتفل المغاربة، يوم غد الأربعاء 14 يناير 2026 ، بحلول السنة الأمازيغية الجديدة 2976، المعروفة بـ(إيض يناير)، في أجواء تطبعها مظاهر الفرح والاعتزاز بالهوية، باعتبارها مناسبة تاريخية وثقافية ضاربة في عمق الحضارة المغربية، وموعدا سنويا لاستحضار أحد أقدم مكونات الذاكرة الجماعية للمملكة.
وتعنبر السنة الأمازيغية من أقدم التقاويم المعتمدة في منطقة شمال إفريقيا وحوض البحر الأبيض المتوسط، إذ ارتبطت منذ نشأتها بالدورة الزراعية وبداية موسم فلاحي جديد، ما جعلها رمزا للخصب والعطاء والتجدد. ويرجع اعتماد هذا التقويم، حسب عدد من الباحثين والمؤرخين، إلى حدث تاريخي بارز يتمثل في تولي الملك الأمازيغي شيشنق الأول حكم مصر حوالي سنة 950 قبل الميلاد.
وفي مختلف جهات المملكة، تتنوع مظاهر الاحتفال ب(ـإيض يناير)، حيث تحرص الأسر المغربية على إعداد أطباق تقليدية خاصة بهذه المناسبة، وتنظيم لقاءات عائلية تعكس قيم التضامن والتقاسم، فيما تشهد الساحات العمومية والمؤسسات الثقافية تنظيم أنشطة فنية وفلكلورية، ومعارض تراثية، ولقاءات فكرية تبرز غنى الثقافة الأمازيغية في اللغة، والموسيقى، واللباس، والحكاية الشعبية.
وفي هذا السياق، يستند الاحتفاء برأس السنة الأمازيغية إلى مرجعية ملكية ودستورية واضحة، حيث ما فتئ صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله يؤكد، في خطبه السامية، أن الأمازيغية تشكل رصيدا مشتركا لجميع المغاربة، وعنصرا أساسيا من الهوية الوطنية الموحدة، التي تقوم على التعدد، والتكامل، والانسجام بين مختلف روافدها الثقافية والحضارية.
كما ينص الفصل الخامس من دستور المملكة على أن الأمازيغية تعد لغة رسمية للدولة، باعتبارها رصيدا مشتركا لجميع المغاربة دون استثناء، وهو ما يكرس مكانتها في الحياة العامة، ويؤكد التزام الدولة بحمايتها، وتنميتها، وإدماجها في مختلف مجالات الشأن العام.
ويأتي الاحتفال بالسنة الأمازيغية هذا العام في سياق وطني مميز، بعد إقرار رأس السنة الأمازيغية عطلة رسمية مؤدى عنها، وهي خطوة تعكس الإرادة الملكية السامية في ترسيخ العدالة الثقافية، وتعزيز الاعتراف بكل مكونات الهوية المغربية، كما تشكل ترجمة عملية لمقتضيات الدستور وروحه.ولا يقتصر “إيض يناير” على كونه احتفالا بمرور الزمن، بل يمثل مناسبة رمزية لتجديد الارتباط بالأرض، واستحضار قيم التعايش والتكافل، ونقل التراث اللامادي للأجيال الصاعدة، بما يضمن استمرارية الذاكرة الجماعية وصونها من الاندثار.
وهكذا، يواصل المغاربة الاحتفاء بالسنة الأمازيغية الجديدة باعتبارها عنوانا لهوية وطنية متجذرة في التنوع، ورافعة ثقافية تعكس غنى المغرب الحضاري، وتؤكد أن الاختلاف ليس مصدر تفرقة، بل عنصر قوة ووحدة في مسار بناء المستقبل.

تعليقات