دكتورة أمال السعدي..تكتب: فن الخطابة ودوره في بناء المجتمع

في حضرة الحرف تختال الفنون في ربوع الوصف و التعبير ، أخاديد سيلها بالحرف موصول،فنون و انواع تخترق السطور لتُعبر عن حصاد اليوم و كل العصور،الخطابة فن من اقدم الفنون الادبية عبرت عن مصداقية الانسانية و اجهزت التأثير في حداثة المجتمعات و تطورها ، هي وصل و واصلة بها توجه الاراء و تشذب الرأي العام ، الخطابة فن حمل و مازال يحمل رسالة قيمة بها توفر القدرة على تبادل الرأي و توجيهه توجيه صحيح بما يخدم العموم.

فن الخطابة امتلك انواع مثلت كل عصر و حاجته في نصية الحوار،فن الخطابة كان نافذة في ثبوت القناعة من خلال الخطيب الذي مثل الخيط الموصل الى وضوح الفكرة من خلال اسلوب لغوي يجذب القارىء أو المستمع الى الأنصات ، فن الخطابة منهج به يمكن أن يُجهز نشر الاخلاق ويعزز الانتماء بل حتى هو دعوة لعامل التسامح و استيعاب الفكر و الرأي المطروح،الخطابة لا تقتصر على الصوت و الإداء بل هي احد اسرار قدرة الكاتب في تصوير المنحى لضرورة ثبات الفكر و إتزان المجتمع، باتت الخطابة اليوم تستخدم للذم و القدح أو للعب بعقول البشرية لصالح فرد يتسلل عبر اخاديد الخداع ليحتل وقع و يظهر رغبة في الظهور راجيا نصب المطبات من خلال مفردة ذكرها خطيب ملقي أو مدون،تعددت انواع الخطابة عبر العصور ، الفيلسوف أرسطو حاور ثلاث انواع من الخطابة هي :
-الخطابة التشاورية والباحثة عن دراسة مستقبل العموم،هذا النوع قد يكون خطابة تلقى صوتا أو نص يدون حوارية تجمع بين مستشاري و متخصصي العلوم .
-الخطابة القضائية متعلقة بالحكم و القضاء لطرح القضايا العالقة تاريخيا أو المرتبطة بحدث حاضر وبها يمكن أن يقر الخطيب تقديم الحلول لتسن الاحكام بنوعيه المسموع و المرئي.
-الخطابة الاحتفالية أوالبيانية و التي تقدم في احتفال ديني أو سياسي أو اجتماعي.
فن الخطابة جزء من الادب يفرض شروط يجب أن تتوفر في الخطيب مثلا،أستقرار القدرة اللغوية و الصوتية،الثقة في النفس،الفكر و قدرة الحوار،البحث و الاعداد المسبق،قدرة الاقناع، هدوء الاعصاب،عقلية متفتحة قادرة على أن تحتوي طرح منطقي،واجهة تسهم في تحقيق اعلام انسانيا، شخصية قادرة على توفير الاحساس بالراحة وخلق روح التسلية في الخطابة مهما تعددت انواعها،المداومة على الخطابة تفرض عدد من الفرضيات التي توفر شروط ترقى بشخص الخطيب مثل: القراءة و الاطلاع المستمر،تحسين المعرفة اللغوية،تحديد نقاط الضعف في الشخصية و العمل على تحسينها،الاستعداد المسبق و البحث عن مصادر موضوع الخطبة و موقع تقديمها،بسبب كل هذه التفصيلات اعتبر فن الخطابة اهم وسيلة تتوفر بها شروط الاقناع و حوار أي إحداثية بما يخدم المصلحة العامة.
قبل 2000 عام ما قبل الميلاد ظهر فن الخطابة في اليونان و كان ارسطو اول من اقدم على تقديم فن الخطابة و اول من درب على اسلوب الخطابة،ركز الفلاسفة على فن الخطابة لانها وسيلة خاصة تحاور هموم العامة، في القرن الرابع عشر حتى الخامس ظهرت مجموعة تخصصت بتعليم و التدريب على فن الخطابة اسمها"السفسطائين" هم شلة من الفلاسفة تميزوا في قدرتهم الخطابية،حيث كانوا يعدوا نص خطابي مقابل رمز مالي، استمر هذا الحال الى اليوم خاصة في السياسة لكل حاكم شخص مسؤول عن اعداد الخطبة له على أن تتوفر به ميزات الكاتب والمعرفة اللغوية.
لم توفر الحضارات حق للمرأة للمشاركة في هذا الفن خاصة في الحضارة اليونانية ، الاغريقية ، المصرية،حتى القرن التاسع عشرحين سمح للنساء من خلال مجموعة اسمها "الكويكرز"(مجموعة مسيحية من البروتستانت ظهرت في القرن السابع عشر في انكلترا) سمح للمرأة أن تدلو برأيها في الكنيسة فقط،الخطيب المقتدر يمتلك المقدرة في زرع الامل في نفوس السامع أو القارىء يحاجج الافكار السلبية من خلال المنطق و التجربة الواعية و سعة المعرفة.
فن الخطابة على مر العصور أعتمد كوسيلة ينتهج بها العلم و الحوارمن خلال فسح المجال لابداء الرأي و الاستماع، مع تطور الية النشر و البحث صارت الخطابة بكل انواعها المرئية و المسموعة تحتل واجهات التواصل الاجتماعي ماجعلها ظاهرة لا تسمو في فن الخطابة بل اصبحت عينات فردية كلا يرى بها صالح خاص أو متعة، تحول فن الخطابة الى اعلام يشهر و اقلام تنقر بحس تاريخ البشرية،صار الجميع رقباء على الكلمة و الفعل بدلا من أن يحاور العلل الاجتماعية و الاقتصادية أُشهر سلاح النقد العائم تحت مسميات الحفاظ على الثقافة، سُلت طرق الاقلال من القيمة البشرية و الغاء تاريخ الفرد بسبب قول أو رأي، فن الخطابة اليوم زي يُرتدى لتحقيق مبتغى فردي في عالم تعاثرت به الاهوال وغاب به المنطق،نحن بحاجة الى الخطابة لننطق العقل و نحرر الفكر من شبح جهل راكمه التاريخ وثقافة أُقصرت على شلة صغيرة، في اخر منعطف التقويم و نحن في مرحلة الانتقال من عام الى عام هو الوقت الذي به نقر أن فن الخطابة ضرورة و واجب بنا أن ننطق بها عقلية ترسو بنا مرسى ثقافي يمثل تاريخ سلبه منا الاخر ، اترانا مازلنا بحاجة الى الكثير من العلم حتى نرسو على سواحل العلم و المعرفة لنصرة الانسان؟
29\12\2026
أمال السعدي

تعليقات