المدير الذي لا يُفوِّض أحدًا..بقلم/الدكتور محمد حسن يوسف

 حكايات المدير ( ماذا تفعل لو كنت مكانه ؟ ) ..  الحلقة (14)

المدير الذي لا يُفوِّض أحدًا

كان الجميع داخل الشركة يشيدون بالمدير "حسام". فهو أول من يحضر صباحًا ... وآخر من يغادر مساءً. لا يرفض أي مهمة. ويراجع بنفسه كل خطاب، وكل تقرير، وكل عرض تقديمي. إذا احتاج أحد الموظفين إلى قرار، قالوا:
- "اعرضه على الأستاذ حسام."
وإذا تعطلت معاملة، قالوا:
- "استنوا لما الأستاذ حسام يراجعها."
حتى إن بعض العاملين كانوا يرددون بإعجاب:
- "الشركة دي ماشية على كتاف الراجل ده."
وكان حسام يشعر بالفخر كلما سمع هذه العبارة. فهو لا يثق في أن أحدًا يستطيع إنجاز العمل بنفس الجودة. وكان يقول دائمًا:
- "لو عملتها بنفسي ... أضمن."
ومع مرور الوقت ... أصبح كل شيء يمر من خلاله. التوقيعات. الموافقات. المراجعات. حل المشكلات. حتى أبسط القرارات. ثم جاء اليوم الذي حصل فيه على إجازة مرضية لمدة أسبوعين. وفي اليوم الثالث ... بدأت الشكاوى تتزايد. تأخرت المعاملات. وتوقفت بعض المشروعات. وتكدست الملفات فوق المكاتب. ولم يعرف الموظفون كيف يتصرفون في كثير من المواقف؛ لأن أحدًا لم يعتد اتخاذ القرار. وعندما عاد المدير إلى مكتبه، وجد عشرات الملفات تنتظره. ابتسم وقال بثقة:
- "شايفين... قلت لكم محدش يعرف يعملها غيري."
لكن رئيسه كان له رأي آخر. قال له بهدوء:
- "لا يا حسام ... المشكلة ليست أنهم لا يستطيعون ... المشكلة أنك لم تسمح لهم يومًا أن يتعلموا."
ساد الصمت. ولأول مرة ... أدرك حسام أن الشركة لم تكن قوية بوجوده ... بل كانت ضعيفة لاعتمادها عليه.
ماذا كنت ستفعل لو كنت مكان المدير؟
هل كنت ستقوم بكل الأعمال بنفسك؟
هل التفويض يقلل من جودة العمل؟
أم أن بناء فريق قوي أهم من إنجاز المهمة بسرعة؟
الرأي الإداري:
في البداية، قد يبدو هذا المدير مثالًا للإخلاص والكفاءة. لكنه في الحقيقة وقع في أحد أخطر أفخاخ القيادة. لقد خلط بين أن يكون أفضل منفذ ... وأن يكون أفضل مدير.
وظيفة المدير ليست أن يقوم بكل شيء بنفسه. بل أن يبني فريقًا يستطيع أن يعمل بكفاءة حتى في غيابه. عدم التفويض لا يعكس دائمًا الحرص على الجودة ... بل قد يكشف ضعف الثقة، أو الخوف من فقدان السيطرة، أو العجز عن تنمية قدرات الفريق.
وكلما زادت المهام التي يحتكرها المدير، زادت المؤسسة اعتمادًا عليه، وقلت قدرتها على الاستمرار.
الدرس الإداري:
التفويض لا يعني أن تتخلى عن مسؤوليتك ... بل يعني أن تنقل المسؤولية تدريجيًا، مع المتابعة والتوجيه. القائد الحقيقي لا يقاس بعدد المهام التي أنجزها بنفسه ... بل بعدد الأشخاص الذين أصبحوا قادرين على الإنجاز بفضله.
الحكمة الإدارية:
إذا توقفت المؤسسة عندما غاب مديرها... فهذه ليست شهادة على عظمته، بل دليل على أنه لم يبنِ نظامًا ولا فريقًا يستطيع الاستمرار.
سؤال الحلقة:
لو كنت مكان هذا المدير ... هل كنت ستستمر في تنفيذ كل شيء بنفسك حفاظًا على الجودة، أم كنت ستقبل أن يتحمل فريقك بعض الأخطاء في البداية مقابل أن تصنع فريقًا قويًا يعتمد عليه في المستقبل؟

تعليقات