قد ترتفع البورصات حول العالم بمئات المليارات في يوم واحد، بينما لا يُفتتح مصنع جديد، ولا يُزرع فدان إضافي، ولا تُنتج آلة واحدة. هذه المفارقة لم تعد استثناءً، بل أصبحت إحدى السمات الرئيسية للاقتصاد العالمي المعاصر، حيث تشير أحدث تقارير شركة "ماكنزي" إلى أن نحو 80% من الثروة الجديدة المتولدة خلال عام 2025 جاءت من ارتفاع أسعار الأسهم والديون فوق معدلات التضخم، أي من تضخم قيمة الأصول المالية القائمة، لا من استثمارات جديدة في الصناعة أو الزراعة أو الخدمات أو البنية التحتية. إنها ثروة تتولد على الشاشات، بينما يظل الاقتصاد الحقيقي واقفًا في مكانه.
تكمن خطورة هذا التحول في أن الثروة لم تعد ترتبط بإنتاج السلع والخدمات، وإنما أصبحت تتشكل بدرجة متزايدة من خلال المضاربات والأسواق المالية. وهكذا تحول المال من وسيلة لتمويل التنمية إلى غاية قائمة بذاتها، تُنتج مكاسب هائلة لفئة محدودة من المستثمرين، بينما يتحمل المجتمع بأكمله تكاليف الانكماش والتضخم والأزمات عندما تنفجر الفقاعات المالية. إنها معادلة تمنح الأرباح للقلة، لكنها توزع الخسائر على الجميع.
ولم يعد هذا الانفصال بين الاقتصاد المالي والاقتصاد الحقيقي مجرد قضية أكاديمية يناقشها الخبراء، بل أصبح خطرًا يمس الاستقرار الاجتماعي ذاته. فكلما ارتفعت أسعار الأصول بعيدًا عن قيمتها الإنتاجية الحقيقية، اتسعت الفجوة بين من يملكون الأصول ومن يعيشون على أجورهم، وازدادت هشاشة الاقتصاد أمام أي تصحيح مفاجئ في الأسواق، وهو ما يجعل الانهيارات المقبلة أكثر إيلامًا للفئات الأقل قدرة على تحملها.
إن مواجهة هذا التنين المالي لا يمكن أن تقتصر على الأدوات التقليدية، كرفع أسعار الفائدة أو تعديل معدلات الضرائب، بل تتطلب إعادة التفكير في العلاقة بين خلق النقود والإنتاج الحقيقي. ومن بين الأفكار التي تستحق الدراسة مفهوم "السيادة النقدية الموجهة بالإنتاجية"، بحيث يرتبط خلق الائتمان المصرفي بحجم القيمة الإنتاجية التي يضيفها المشروع إلى الاقتصاد، وعدد فرص العمل التي يخلقها، وإسهامه في التنمية المستدامة، بدلاً من الاعتماد المفرط على الضمانات العقارية والمالية التي تغذي تضخم الأصول أكثر مما تغذي الإنتاج.
ويوازي ذلك تبني ما يمكن تسميته "ضرائب الانفصال المالي"؛ وهي ضرائب تصاعدية ترتفع كلما اتسعت الفجوة بين القيمة السوقية للشركة وبين حجم استثماراتها الفعلية في البحث والتطوير والأصول الإنتاجية. فحين يصبح رفع سعر السهم أسهل كثيرًا من بناء مصنع جديد، يكون النظام قد انحرف عن غايته الأساسية، وأصبح بحاجة إلى تصحيح يعيد توجيه رأس المال نحو الاقتصاد الحقيقي.
كما أن الوقت قد حان لإعادة النظر في مفهوم الشركة ذاته، بالانتقال من نموذج يركز فقط على تعظيم عائد المساهمين إلى نموذج أكثر توازنًا يجعل العاملين شركاء حقيقيين في النجاح، ويربط مكافآت القيادات التنفيذية بمعدلات التوسع الإنتاجي، ورفع الأجور الحقيقية، وزيادة الاستثمار طويل الأجل، لا بمجرد ارتفاع سعر السهم في البورصة.
فالاقتصاد الحقيقي لا يقاس بعدد المليارات التي تلمع على الشاشات، بل بعدد الأرغفة التي تُنتج، والمصانع التي تعمل، والوظائف التي تُخلق، والأفكار التي تتحول إلى منتجات وخدمات. وإذا استمرت الثروة في الانفصال عن الإنتاج، فلن يكون السؤال: كم ارتفعت الأسواق؟ بل سيكون: متى سيدفع المجتمع كله ثمن هذا الانفصال؟ لذلك فإن إعادة الاعتبار للإنتاج الحقيقي لم تعد خيارًا اقتصاديًا فحسب، بل أصبحت ضرورة لحماية الاستقرار الاجتماعي، وإعادة المالية إلى حجمها الطبيعي: خادمًا للإنتاج، لا سيدًا عليه.
