لأول مرة في تاريخ المغرب، تتولى امرأة رئاسة الحكومة،ففي لحظة تاريخية ستظل راسخة في الذاكرة السياسية المغربية، عين الملك محمد ابسادس نصره الله ، السيدة فاطمة الزهراء المنصوري يوم 29 شتنبر 2026 رئيسة للحكومة وكلفها بتشكيل الحكومة الجديدة، لتصبح أول امرأة تصل إلى هذا المنصب في تاريخ المملكة.
غير أن هذه اللحظة لا ينبغي أن نقرأها باعتبارها مجرد وصول امرأة إلى أعلى منصب حكومي، بل باعتبارها محطة جديدة في مسار طويل للمرأة المغربية، التي أثبتت عبر عقود أنها قادرة على الحضور والإنجاز وصناعة القرار.
فالمرأة المغربية كانت حاضرة في قلب النضال الوطني منذ عهد الاستعمار. فقد كانت مالكة الفاسي المرأة المغربية الوحيدة التي وقعت على وثيقة المطالبة بالاستقلال سنة 1944، كما شاركت نساء مغربيات كثيرات في المقاومة بأشكال متعددة.
ومن مدينة فاس، برزت ثريا الشاوي، التي أصبحت أول امرأة مغربية تحصل على رخصة لقيادة الطائرة، في زمن كانت فيه مثل هذه المجالات تبدو بعيدة عن متناول النساء.
ومع بناء المغرب الحديث، اتسع حضور المرأة إلى مجالات العلم والفكر والرياضة والاقتصاد والعمل الاجتماعي. فقد تركت فاطمة المرنيسي بصمتها في الفكر وعلم الاجتماع، وحصلت رجاء الشرقاوي المرسلي على جائزة لوريال-اليونسكو للنساء في مجال العلوم عن أبحاثها في الفيزياء.وفي الرياضة، صنعت نوال المتوكل التاريخ سنة 1984 عندما أصبحت أول امرأة مسلمة تفوز بذهبية أولمبية، قبل أن تتولى مسؤوليات قيادية في الحركة الأولمبية الدولية.
وفي المجال المالي، برزت نجاة حياة في قيادة هيئة سوق الرساميل، بينما كرست عائشة الشنا جزءا كبيرا من حياتها للعمل الاجتماعي والدفاع عن النساء والأطفال في أوضاع صعبة.
هذه الأسماء، وغيرها كثير، تؤكد أن مسيرة المرأة المغربية نحو القيادة لم تبدأ اليوم، ولم تكن مرتبطة بالسياسة وحدها؛ بل هي مسيرة امتدت من المقاومة إلى الجامعة، ومن المختبر إلى الملاعب، ومن العمل الاجتماعي إلى الاقتصاد والإدارة ومواقع القرار.
واليوم، تأتي فاطمة الزهراء المنصوري لتضيف محطة جديدة إلى هذا المسار. فهي ليست وافدة على العمل السياسي؛ فقد ترأست مجلس جماعة مراكش، وشغلت عضوية البرلمان، وتولت منذ سنة 2021 حقيبة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، إلى جانب مسؤوليات حزبية قيادية.
فالقيادة ليست امتيازا مرتبطا بالجنس، وإنما هي مسؤولية وكفاءة وقدرة على اتخاذ القرار وتحمل المسؤولية وخدمة الصالح العام.
ومن مالكة الفاسي إلى ثريا الشاوي، ومن فاطمة المرنيسي إلى نوال المتوكل، ومن رجاء الشرقاوي المرسلي إلى نجاة حياة وعائشة الشنا، وصولا إلى فاطمة الزهراء المنصوري، تتأكد حقيقة واحدة: "المرأة المغربية لم تكن يوما مجرد متلقية للأحداث، بل كانت ولا تزال شريكة في صناعة تاريخ وطنها".
ولذلك، فإن وصول امرأة إلى رئاسة الحكومة ليس نهاية الطريق، بل محطة جديدة نحو حضور أكبر للكفاءات النسائية في مختلف مواقع المسؤولية.
فالرهان الحقيقي ليس أن تثبت المرأة أنها قادرة على القيادة، فقد أثبتت ذلك بالفعل، وإنما أن تتاح لها الفرص على أساس الكفاءة والاستحقاق والقدرة على العطاء.
