سجون الأرقام: كيف قتلت "عبادة المؤشرات" المعنى في نظام التفاهة؟..بقلم الدكتور/محمد حسن يوسف

كيف يمكن أن ترتفع نسبة النجاح في مدرسة بينما يتراجع مستوى التعليم؟ وكيف يمكن أن تتقدم جامعة في التصنيفات العالمية بينما يزداد ضعف البحث العلمي؟ وكيف تحقق مؤسسة كل مؤشرات الأداء المطلوبة بينما يشعر موظفوها بالإحباط والتآكل الداخلي؟
الإجابة تكمن في أننا لم نعد نقيس الحقيقة ... بل أصبحنا نقيس ما يسهل قياسه.
في عالمٍ باتت تُحكم قبضته من قِبل "نظام التفاهة"، لم يعد التميز أو العمق الفكري هما المعيارين الأساسيين للارتقاء، بل أصبح "المعدل" أو "الوسط" هو المسطرة الوحيدة التي يُقاس بها كل شيء. هذا النظام، الذي يحلل مفاصله الفيلسوف الكندي آلان دونو، لا يعمل بصورة عشوائية، بل يستند إلى بنية تكنوقراطية متماسكة تهدف إلى إقصاء الأسئلة الوجودية والأخلاقية الكبرى لصالح إجراءات إدارية جافة، حيث يُستبدل مفهوم السياسة بوصفها نقاشًا حول الصالح العام، بمفهوم الحوكمة الذي يعامل الدولة كما لو كانت شركة كبرى تُدار بالمؤشرات والتقارير.
ويجد هذا التحول البنيوي أحد أهم أدواته فيما يسميه دونو "عبادة المؤشرات"؛ وهي الحالة التي يُختزل فيها كل ما هو إنساني ومعنوي إلى أرقام وإحصاءات. فبدلاً من مناقشة جودة التعليم، ننشغل بنسبة النجاح. وبدلاً من السؤال عن قيمة البحث العلمي، نهتم بعدد الأبحاث المنشورة. وبدلاً من قياس أثر المؤسسة في المجتمع، نكتفي بمراقبة مؤشرات الأداء ولوحات المتابعة. وكأن الرقم أصبح هو الحقيقة، لا مجرد وسيلة للاقتراب منها.
وهذا المنطق لا يقتصر على الجامعات أو الحكومات، بل يمتد إلى حياتنا اليومية داخل المؤسسات. فقد يصبح همُّ المدير تحقيق "مؤشر الأداء" أكثر من حل المشكلة الحقيقية، ويصبح همُّ الموظف إكمال العدد المطلوب من المعاملات، لا جودة الخدمة التي يقدمها. ومع مرور الوقت، يتحول المؤشر من وسيلة للقياس إلى غاية في ذاته، ويصبح النجاح الحقيقي مجرد رقم جميل في تقرير شهري، بينما تتراجع القيمة الفعلية التي صُمم المؤشر أصلاً لقياسها.
إن هذا الهوس الرقمي لا يكتفي بإدارة الموارد، بل يمتد ليعيد صياغة الكائن البشري نفسه، محولاً المواطن إلى مجرد "نقطة بيانات"، والموظف إلى رقم في لوحة متابعة، والطالب إلى معدل تراكمي، والباحث إلى عدد من المنشورات. ويُقاس الرضا، والانتماء، والإبداع، وحتى الولاء، عبر استبيانات كمية قد تعجز بطبيعتها عن التقاط الأبعاد الإنسانية العميقة.
ومن هنا، يبدأ الأفراد في ممارسة ما يمكن تسميته "لعب اللعبة". فبدلاً من السعي إلى تحقيق قيمة حقيقية، يصبح الهدف هو إرضاء المؤشر المطلوب. فينشر الأكاديمي أبحاثًا متكررة لزيادة رصيده، وينجز الموظف أعمالًا شكلية لتحقيق مستهدفه الرقمي، ويعيد المدير ترتيب الأولويات بما يخدم التقارير أكثر مما يخدم الواقع. وهكذا تتحول الكفاءة إلى مهارة في تحسين الأرقام، لا في تحسين النتائج.
ولا يمكن اعتبار هذه المؤشرات أدوات محايدة للقياس؛ فهي قد تتحول إلى أدوات للضبط والسيطرة عندما تصبح المعيار الوحيد للحكم. فمن خلال معايير كمية ضيقة، يتم استبعاد المبدعين وأصحاب الرؤى المختلفة لأن مساهماتهم لا يمكن اختزالها بسهولة في رقم أو نسبة. وبذلك، تكتسب القرارات سطحية شرعية زائفة لأنها "مدعومة بالمؤشرات"، بينما تُهمَّش الأسئلة الجوهرية التي لا تجد مكانًا لها داخل الجداول الإحصائية.
إن المؤشرات أدوات نافعة حين تخدم الحقيقة، لكنها تصبح خطيرة عندما تحل محلها. فليست كل قيمة يمكن تحويلها إلى رقم، وليست كل حقيقة تظهر في جدول إحصائي. وحين يصبح النجاح مجرد مؤشرات خضراء على شاشة إلكترونية، بينما يتراجع الإنسان، وتختفي العدالة، ويضيع المعنى، نكون قد انتقلنا من إدارة الواقع إلى عبادة الأرقام ... وهي واحدة من أخطر صور "نظام التفاهة".

هذا المقال ضمن سلسلة: "تفكيك نظام التفاهة": وهي محاولة لقراءة الواقع من خلال أفكار الفيلسوف الكندي آلان دونو، وربطها بتجاربنا العربية، بحثًا عن فهم أعمق لآليات السلطة، والإدارة، والإعلام، والثقافة.

تعليقات