أوهام ما بعد الحرب ، بين الغزو البري المستحيل والاحتواء المتبادل..دكتور محمد حسن يوسف

تتجه الأزمة المحتدمة في منطقة الخليج العربي إلى مسار يكشف حدود القوة العسكرية الشاملة في الصراعات الحديثة؛ إذ يتضح أن التفوق الجوي والسيادة البحرية، مهما بلغا، لا يكفيان وحدهما لفرض استسلام سريع على خصم يمتلك أدوات متنوعة للردع والإنهاك. ومع استمرار الضربات الأمريكية ضمن عملية "الغضب الملحمي"، ما تزال إيران تمتلك القدرة على التأثير في معادلات الأمن الإقليمي، سواء عبر التهديد المستمر للملاحة أو عبر أدوات الرد غير التقليدية، وهو ما يبقي أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي في حالة ترقب دائم، ويجعل فكرة "النصر السريع" أكثر تعقيدًا مما تبدو عليه. ومع تصاعد العمليات العسكرية، تتكرر التساؤلات حول احتمال انتقال الصراع إلى مرحلة الغزو البري. إلا أن قراءة الجغرافيا الإيرانية، إلى جانب الخبرة التاريخية في إدارة الحروب، تجعل هذا السيناريو بعيد الاحتمال في الظروف الحالية. فإيران دولة واسعة المساحة، تتسم بتضاريس معقدة، وتستند عقيدتها الدفاعية إلى مزيج من التحصينات، والانتشار الواسع، والحرب غير النظامية. ومن ثم، فإن أي تدخل بري واسع النطاق سيحمل كلفة بشرية وعسكرية وسياسية يصعب تجاهلها، حتى بالنسبة لقوة عسكرية كبرى. وفي المقابل، فإن الحديث عن رد إيراني عبر غزو بري لدول الجوار يبدو هو الآخر غير واقعي. فمثل هذا السيناريو يواجه تحديات لوجستية وعسكرية كبيرة، فضلاً عن افتقاره إلى البيئة العملياتية التي تسمح بتحقيق أهداف استراتيجية واضحة. ولذلك، تبدو خيارات طهران – إذا استمر التصعيد – أقرب إلى توظيف أدواتها غير التقليدية، سواء عبر الصواريخ والطائرات المسيّرة، أو من خلال شبكات الحلفاء، أو عبر الضغط على الممرات البحرية والمنشآت الحيوية، بما يحول الصراع من مواجهة تقليدية إلى حرب استنزاف متعددة الجبهات. ومن هنا، يبدو أن الاحتمال الأكثر ترجيحًا ليس الحسم العسكري الكامل لأي من الطرفين، وإنما استمرار سياسة الاحتواء المتبادل. ففي مثل هذا السيناريو، تسعى الولايات المتحدة إلى حماية حرية الملاحة وتقليص المخاطر على الاقتصاد العالمي، بينما تحاول إيران الحفاظ على قدرتها على الردع وتجنب الانزلاق إلى مواجهة تهدد بقاء النظام نفسه. وعند هذه النقطة، يتحول الصراع من معركة لحسم عسكري سريع إلى اختبار طويل للإرادة السياسية، والقدرة الاقتصادية، ومدى تحمل الضغوط الداخلية والخارجية. وربما تكشف هذه الأزمة مرة أخرى عن حقيقة أصبحت تتكرر في كثير من صراعات القرن الحادي والعشرين: فالحروب الكبرى لم تعد تُحسم دائمًا باحتلال العواصم أو إسقاط الجيوش، بل بقدرة كل طرف على استنزاف خصمه، ورفع تكلفة استمرار المواجهة إلى الحد الذي يجعل التسوية أقل كلفة من الحرب نفسها.

تعليقات