أزمة الخليج..حين تتحول القوة إلى مشكلة إدارية: دكتور محمد حسن يوسف

تكشف الأزمة الحالية في الخليج عن حقيقة إدارية تتجاوز حدود السياسة والسلاح: ليست كل قوة عسكرية قادرة على تحقيق نصر، إذا غاب عنها التخطيط الاستراتيجي. فكم من مؤسسات امتلكت الموارد والإمكانات، لكنها أخفقت لأنها لم تعرف إلى أين تريد أن تصل. والأزمات بين الدول لا تختلف كثيرًا؛ فحين تُدار الصراعات الكبرى بمنطق العمليات اليومية المنفصلة، تتحول أحدث الأسلحة إلى أدوات باهظة الثمن، لكنها عاجزة عن صناعة واقع سياسي مستقر.

تبدأ الأزمة الحقيقية من غياب تعريف واضح ومحدد لمعنى "النجاح". فحين يصبح استعراض القوة الجوية أو البحرية هدفًا في حد ذاته، يغيب السؤال الأهم: ما النتيجة السياسية التي نسعى إليها؟ وعندما تظل الأهداف حبيسة عبارات عامة مثل "الردع" أو "تعديل السلوك"، يجد صناع القرار أنفسهم أمام سلسلة من النجاحات التكتيكية التي لا تقربهم بالضرورة من نهاية الصراع. وهكذا تتبدد أوهام "النصر السريع"، لأن القوة بلا استراتيجية ليست سوى حركة بلا اتجاه.
ولا يقف الخلل عند حدود تعريف الهدف، بل يمتد إلى طريقة قراءة الخصم نفسه. فالتاريخ العسكري يعلمنا أن كثيرًا من الجيوش لم تُهزم لأنها كانت أضعف، بل لأنها أساءت تقدير خصومها. إن الافتراض بأن التفوق التقني والمادي وحده كفيل بإرغام الطرف الآخر على الاستسلام يعكس قراءة تبسيطية تتجاهل الجغرافيا، والعقيدة القتالية، والقدرة على خوض الحروب غير المتماثلة، وشبكات التحالف، واستعداد الخصم لتحمل الكلفة. والإدارة الرشيدة للأزمات تبدأ دائمًا بفهم الواقع كما هو، لا كما نرغب أن يكون.
ومع غياب هذا الفهم، تنزلق الأزمة إلى أخطر صور الإدارة؛ وهي إدارة التصعيد بمنطق الفعل ورد الفعل، دون وجود خطة احتواء مسبقة. فعندما يمتلك الطرف الآخر أدوات ردع غير تقليدية، ويستطيع تهديد الممرات الحيوية وخطوط الإمداد، تصبح كل خطوة تصعيدية معرضة لإطلاق سلسلة من ردود الأفعال يصعب السيطرة عليها. وهنا تتحول الأزمة من محاولة للحسم إلى حرب استنزاف مفتوحة يستهلك فيها الجميع مواردهم وطاقاتهم.
لكن الثغرة الأخطر تبقى غياب استراتيجية الخروج. فالشروع في مواجهة بهذا الحجم دون تصور واضح لكيفية إنهائها، يعني أن إدارة الأزمة تتحول تدريجيًا إلى مجرد محاولة لمنع الانهيار الكامل. وعند هذه النقطة يدخل الجميع في حالة من الاحتواء المتبادل؛ فلا أحد يحقق نصرًا حاسمًا، ولا أحد يستطيع الانسحاب بسهولة، لتصبح المعركة اختبارًا طويلًا للإرادة السياسية، والقدرة الاقتصادية، وصمود الجبهة الداخلية.
والدرس الإداري الذي يقدمه هذا المشهد يتجاوز ميادين القتال ليصل إلى كل مؤسسة وكل قائد. فالأزمات الكبرى لا تُحسم بامتلاك الموارد الأكثر أو الأدوات الأقوى، وإنما بامتلاك رؤية متكاملة تجيب عن أسئلة البداية والنهاية معًا:
ما الهدف الحقيقي؟
وما حدود الأداة التي نستخدمها؟
ومتى نعتبر أننا نجحنا؟
وكيف نخرج إذا تغيرت الظروف؟
فبدون هذه الإجابات، قد تتحول القوة نفسها إلى عبء، ويصبح النجاح التكتيكي مجرد محطة على طريق أزمة أطول.
إن الإدارة الاستراتيجية لا تبدأ من سؤال: ماذا نستطيع أن نفعل؟، بل من سؤال أكثر أهمية: ماذا نريد أن نحقق؟ فحين تتقدم الأدوات على الرؤية، يصبح التخبط نتيجة طبيعية، مهما بلغت الإمكانات. ولهذا فإن الأزمات الكبرى لا تهزم أصحابها لأنهم يفتقرون إلى القوة، بل لأنها تكشف أنهم لم يحددوا منذ البداية إلى أين يريدون الوصول.

تعليقات