نشرت منشورا على صفحتي في أحد الأيام أقول فيه أن التضحية هي أسوأ أنواع الكرم ، و بعد أيام اكتشفت ما فكرت فيه و قلته مكتوبا و مدونا في أحد الكتب القيمة و القديمة ، و الذي كان يتكلم عن أسرار قانون الجذب . حيث كان يتكلم في إحدى فقراته عن الاختلاف بين العطاء و التضحية . فاكتشفت من خلال ما قرأته أن العطاء من أعماق القلب و النابع من مشاعر المحبة و الإنسانية ، هو دليل ثراء ، و كثيرا ما يكلل بالحصول على المقابل و الذي يمنحه الخالق لمن يحب نفسه و غيره في نفس الوقت ، و يمنحهما أجمل ما عنده دون التسبب في ظلم أي طرف منهما . عكس التضحية و التي تكون مرافقة بمشاعر الإكراه و عدم الارتياح لما يقدمه المضحي ، لأن يرى في ذلك ظلما لنفسه ، فهو أولى بما يقدمه لغيره ، لكنه مكره و مضطر للقيام بذلك رغما عنه ، هنا ينعدم الحصول على المقابل ، بسبب تلك المشاعر المعاكسة و المتنافية مع إحساس الثراء و الاكتفاء .
نحتاج فهم مشاعرنا عند القيام بأي سلوك ، فكثيرا ما نجد أنفسنا في تناقضات بين ما نقوم به و ما نمتلأ به من مشاعر و أحاسيس . التكافل و التعاون جيد جدا لما يخلقه من تماسك و توثيق الروابط بين الناس ، شريطة ألا يكون ما نقوم به متناقضا مع ما نحس به . فحينما يكون العطاء مدعاة و منبعا للسعادة و الإحساس بالثراء و الغنى ، هذا هو أجمل أنواع الكرم أي حينما يكون طرفا العلاقة : علاقة الأخذ و العطاء متكافئان و سعيدان و مكتفيان معا. لذلك علينا الحذر من تناقض ما نقدمه و ما نحس به ، وضع الضحية و التضحية وضع بئيس و غير عادل و كثيرا ما يعود على أصحابه بالندم و الحزن و إحساس الفقر . يكفي أن كلمة تضحية تحتوي على كلمة ضحية . فلماذا نضع أنفسنا موضع الضحية و قد منحنا الخالق كامل الحرية في التصرف بما يتناسب مع تحقيق السعادة و الراحة لأنفسنا أولا ، و لغيرنا ثانيا . فليس كل عطاء كرما ، هناك عطاء يعود بالحزن و الندم على صاحبه ، خصوصا حينما يحتاج الطرف الذي تعود على الجود و الكرم سابقا في أن ينعم يوما ما هو بدوره بالأخذ ممن كان يأخذ منه . لكنه لا يجد إلا أيد فارغة تعطيه بظهرها في أول فرصة ينتظر منها المقابل ، فيكتشف الحقيقة ، حقيقة أنه لم يكن وقتها مرغما على القيام بما قام به ، خصوصا حينما يكاشفونه و يصارحونه بأنه هو من تطوع على القيام بذلك دون مطالبة من أحد ، هو من عرض خدماته و تضحياته ، و هذا لا يلزم أحدا تجاهه و تجاه ما ينتظره من الآخرين . و لعل جلنا قد عاش التجربة أو عايشها من خلال تجربة المحيطين به .
دروس كثيرة نتعرض لها لكننا لا نفهمها إلا بعد فوات الأوان ، و لذلك من واجبنا أن نمررها لمن يود أن يستفيد من تجارب الآخرين قبل أن يسقط هو بدوره في نفس الفخ.
