لماذا يبدأ التغيير من الداخل؟..بقلم الدكتور/ محمد حسن يوسف

حين وقف النبي محمد ﷺ في مكة ليعلن فجر عهد جديد، لم تكن معركته الحقيقية مع حجارة صمّاء نُحتت لتُعبد، بل مع العقول التي صنعتها، والنفوس التي تعلقت بها. فالوثنية في عمقها القرآني ليست مجرد تمثال من حجر، وإنما هي كل ما يستولي على قلب الإنسان وعقله حتى يصبح مرجعيته العليا، فيحجبه عن رؤية الحق ويقيده عن التحرر.
ولم يكن هدف الرسالات السماوية مجرد إزالة الأصنام من الميادين، بل تحرير الإنسان من الأصنام التي يحملها في داخله. فالأصنام التي يصنعها العقل لا يمكن أن يكسرها إلا العقل ذاته، وما يرسخه الإنسان في نفسه لا يزيله عنه أحد مهما بلغت مكانته، لأن التغيير الحقيقي يبدأ من اقتناع داخلي لا من إكراه خارجي.
ويؤكد القرآن هذا المعنى حين يقول تعالى: ﴿أَرَءَيۡتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَٰهَهُۥ هَوَىٰهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيۡهِ وَكِيلًا﴾ [الفرقان: 43]. فالآية تنقل مفهوم الوثنية من الخارج إلى الداخل؛ إذ يصبح الهوى، أو الكِبر، أو التعصب، أو الشهوة، صنمًا خفيًا يتحكم في صاحبه. وعندئذٍ لا يعود الإنسان أسير حجر يعبده، بل أسير رغباته وقناعاته المغلقة. ولهذا خاطب الله نبيه ﷺ بأن مهمته البلاغ والبيان، لا السيطرة على القلوب، لأن تحرير الإنسان يبدأ من قراره الداخلي قبل أي مؤثر خارجي.
وهنا يلتقي هذا المعنى مع السنة الإلهية الكبرى التي قررها القرآن: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوۡمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمۡۗ﴾ [الرعد: 11]. إنها قاعدة حضارية قبل أن تكون قاعدة فردية؛ فالتغيير الحقيقي لا يبدأ من المؤسسات أو القوانين أو الشعارات، وإنما يبدأ من مراجعة الإنسان لأفكاره وقيمه وسلوكه. وحين تتغير النفوس، تصبح المؤسسات أكثر قابلية للإصلاح، ويغدو البناء الخارجي انعكاسًا طبيعيًا لما استقر في الداخل.
ولعل هذا ما يفسر جانبًا من منهج النبي ﷺ في الدعوة؛ فقد أمضى ثلاثة وعشرين عامًا يبني الإنسان قبل أن يبني الدولة، ويحرر العقول قبل أن يغيّر الواقع. وما إن تغيّر ما في النفوس، حتى سقطت الأصنام الحجرية من تلقاء نفسها، لأنها كانت آخر مظاهر التغيير لا أولها.
وهكذا تظل الحقيقة باقية في كل زمان: ليست أخطر الأصنام تلك التي تُنحت من حجر، بل تلك التي تُنحت في داخل الإنسان. وكلما امتلك الإنسان شجاعة مراجعة نفسه، أمسك أول مطرقة حقيقية للتغيير.

تعليقات