---
أقِفْتُ أَسائِلُ رَبعَها هل يَعرِفُ الخَبَرا
فما أَجابَ سوى الرّيحِ إذ نَثَرتْ بهِ الأثَرا
تَطاوَلَ الليلُ والأطلالُ صامتةٌ
كأنّها تَحفَظُ الأشواقَ والسِّيرا
هُنا بَكَيتُ، وهُنا كانت تَواعدُني
وههنا ضَحِكَتْ والدَّهرُ ما غَدَرا
يا دارُ ما بالُ عهدِ الوُدِّ مُندثرٌ
أَأَقفَرَ البَينُ أم خانَ الهوى البَشَرا
رأيتُها حين لاحَ الصبحُ مُبتسمًا
كَالبدرِ يَخجَلُ إن وافى الدُّجى قَمَرا
تمشي فتَتبَعُها الأنفاسُ لاهثةً
كَأنَّما الطِّيبُ من أردانِها انهمرا
عيناكِ بحرٌ إذا ما الموجُ هاجَ بهِ
أغرى القلوبَ، وإن لانَ المدى سَحَرا
والثغرُ خمرٌ ولكن لا دِنانَ لهُ
إلا القلوبَ إذا ما ذاقَها سَكِرا
أمّا أنا فابنُ مجدٍ لا يُدانِسُني
ذُلٌّ، ولا أرتضي في العشقِ مُنحَدَرا
إنّي إذا رامَني دهري ليكسرَني
لَوَيتُ عَزمًا يُذيبُ الصخرَ إن عَصَرا
ما خِفتُ صرفَ الليالي وهي عابسةٌ
حتى غَدَتْ مِن ثَباتي طرفا مقثصرا
إنّي كليثِ الفلا إن مسَّهُ وَجَعٌ
زادَ الزئيرُ، وأضحى الجُرحُ مُفتَخَرا
فدعِ الملامَ فما في العتبِ مُتَّسَعٌ
قد ماتَ ما كانَ بين القلبِ والنَّظَرا
إنّي تركتُكِ لا حُزنًا ولا جَزَعًا
لكن رأيتُ بُعادًا يَرفَعُ القَدَرا
ما كلُّ ما يلمعُ الأبصارَ نَحسبُهُ
دُرًّا — فكم خَدَعَ الأبصارَ ما بَهَرا
مَن صانَ نفسَهُ لم يُذلِلْهُ الهوى أبدًا
ومَن أضاعَ عُلاهُ عاشَ مُنكسِرا
والعشقُ إن لم يكن صِدقًا نُعاشِرُهُ
كانَ السَّرابَ — يُري ظمآنَهُ المَطَرا
