صورة الليل في الشعر العربي القديم (النابغة وامرؤ القيس وحندج )..بقلم الأستاذة/ آمنة تباني

ظلّ الليل في ديوان العرب ميناء للغائبين وملاذا لبوح القلوب، ومحراب الخيال الأكبر ومستودع الأفكار الأخصب وان كان لدى بعضهم هو ستر وحجاب العشاق ودموع المحزونين عن عيون المتطفلين والشامتين فهو لدى البعض الآخر مجثم الهموم على النفس ومثير الشجون وموقظ الذكريات الأليمة لذلك يبدو طويلا ثقيلا وقد شاع في الأدب العربي ثلاثة شعراء أبدعوا في تصوير الليل وهم النابغة الذبياني، امرؤ القيس ، وحندج المرى.
قال النابغة الذبياني:
كليني لهم يا أميمة ناصب ** وليل أقاسيه بطيء الكواكب
تطاول حتى قلت ليس بمنقض** وليس الذي يرعى النجوم بآيب
وصدر أراح الليل عازب همه** تضاعف فيه الهم من كل جانب
وقال امرؤ القيس:
وليل كموج البحر أرخى سدوله** علي بأنواع الهموم ليبتلي
فقلت له لما تمطى بصلبه **وأردف أعجازا وناء بكلكل
ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي ** بصبح وما الإصباح منك بأمثل
فيالك من ليل كأن نجومه**بكل مغار الفتل شدت بيذبل
وقال حندج المري:
في ليل (صول) تناهى العرض والطول**كأنما ليله بالحشر موصول
لا فارق الصبح كفى إن ظفرت به** وإن بدت غرة منه وتحجيل
لساهر طال في (صول) تململه**كأنه حية بالسوط مقتول
متى أرى الصبح قد لاحت مخايله** والليل قد مزقت عن السرابيل
ليل تحير ما ينحط في جهة**كأنه فوق متن الأرض مشكول
نجومه ركد ليست بزائلة **كأنما هن في الليل القناديل
ونظرة فاحصة في هذه النصوص ترشدنا إلى اختلاف الشعراء في التعبير عن معنى واحد أحس به كل منهم.
فالنابغة صور الليل بصورة راع وصور الهموم بإبل تسرح في النهار فيردها راعيها وهو الليل إلى مستقرها من صدر الشاعر، كما صور النجوم بصورة إبل تسرح في أديم السماء. وصور الصبح بالراعي الغائب الذي ظن الشاعر أنه لن يئوب، وما دام هذا الراعي غائبا فستظل النجوم في السماء، وسيبقى الليل، يقاسي فيه الشاعر همومه وآلامه.
وامرؤ القيس شبه الليل في ظلامه، وتراكم قطعه بموج البحر، وقد أرخى أستاره على الشاعر بأنواع الهموم، ثم صوره بصورة جمل برك فما يقوم، ألقى على الأرض صلبه وكلكله وأعجازه وتمطى فغطى وجه الأرض، واستراح إلى هذه الرقدة، فليس يريد أن يفارقها، ولما أحس الشاعر بثقل الليل ناداه متمنيا أن ينجلي عن صبح يستريح فيه، ولكنه التفت إلى نفسه فرأى ان همه ثقيل لا يفرجه الصبح، فما هو بأمثل - في هذا من الليل، واخيرا يسمو خياله فيظهر النجوم كالجبل الراسخ، الراسي، فالجبل لا يتزحزح، والأحبال لا تنقطع، والنجوم باقية لا تبرح. وهي صورة بدوية جميلة.
أما الشاعر الثالث فقد صرف القول، ونوع الصورة فالليل في مدينة (صول) موصول بالحشر، والشاعر في شك من رؤية الصبح، ولذلك فهو مصمم على أن يمسك بالصبح إن ظفر به، هذا الصبح الأغر المحجل. كل ذلك يدل على مدى رغبته في رؤية الصبح، وعلى مدى ضيقه بالليل، ويجيء بهذا الاستفهام (متى أرى الصبح) مستبطئا رؤية الصبح، فهو يعبر عن هذا الشعور بصورة قوية، وأخيرا يجعل الليل متحبرا أين ينحط، كأنه مقيد فوق ظهر الأرض، فلا يستطيع أن يتزحزح من مكانه.

تعليقات