عندما هممت بمغادرة بيت والدي كنت حريصة على أخذ نسخة من مفتاح بابه معي، ليس لاحتمال حاجتي إليه يوما، بقدر ما كان عربون وفاء لوطني الأول الذي كان فيه مطعمي ومشربي ومرقدي واحتوى هشاشتي الإنسانية، وتجذرت فيه كينونتي واستويت فيه على ساق الوعي.. مازالت تلك النسخة اللامعة الحادة الحواف تئن في كفي كلما استخرجتها من محفظتي، وكأنها تعاتبني على هجران عتبة كانت يوما المبتدأ والمنتهى.
منذ أوصدت الأبواب ومضيت نحو حياة جديدة، وبيت والدي يقتات على الصمت، يغزوه الغبار كشيب وقور يكلل محيا عجوز حكيم فرز الحياة وساس شطورها، فأجدني اسمع صرير الأبواب يهمس بأسماء الراحلين، ويتراءى لي الأثاث الخشبي المهيب كأنصاب مقدسة، أو كجنود صامدين لم يبرحوا مكانهم رغم انتهاء المعركة، اتحسس التفاصيل وذكرى الزوايا، لأجدد عهد لقائي الروحي بها لكي لا تضيع في تلافيف الذاكرة، واستحضر ما تكدس فيها من قطع الديكور قطعة قطعة أو من صينيات نحاسية بأحجامها وأشكالها..
هنا، في هذا البهو تركت ضحكاتي المنطلقة..وهناك، على حافة النافذة، لا تزال تترسب أحلامي الصغيرة التي لم يبتلعها النسيان. لقد أدركت اليوم أن البيوت لا توصد أبوابها على الفراغ حين نرحل إنها تمارس وفاءها الصامت، فتخبئ طيوف أرواحنا نبرات أصواتنا وتفاصيل أرواحنا في مسام جدرانها.. الحقيقة هي أننا نحن الذين نتلاشى، ونذبل بالتقسيط، كلما انفرطت من ذاكرتنا خصلة من ضوء كان يملأ زواياها.
