في هذا الزّمن من الذي يريد أن يتألّم رأسه..نُسيبة عطاء الله

الشّعر الذي صار يُعرض في مسابقة أمير الشّعراء ، يشبه الحلوى العارية المعروضة في السّوق الشّعبي الأسبوعي، أنت بصفتك شخصا يعرف طعمَ فمِه تقتنيها وتعجبك إذا كنت من مرتادي السّوق الشّعبي، أو إذا كنت في مزاجٍ شعبويّ أردت منه استعادة شعور طفوليّ وتدويرَ بعض الحنين إلى الماضي بداخلك. ولكنّ تلك الحلوى مقارنة بالتي تُعرض في فيترينات أنيقة وخاصّة، مغلّفة بشياكة ومرفقة بتركيبتها ومقادير موادّها، متوفّرة لمزاج عالٍ من الانتقاء، لطبقة بعينها تفرّق بين الكاكاو العضوي الخام الإسباني، والكاكاو المحلّي. وتلك الواجهات العارضة والمحلّات ومواقعها أيضا هي طاقات متناغمة تماما مع جودة المعروض، ولهذا بالنّظر إلى الصّورة المتنافرة في مسابقة أمير الشّعراء، يمكنك معرفة الكثير، جودة العقل المنتج لهذه الصّورة، وجودة المعروض في هذه الصّورة، ولو أنّ الدّيكور الفضائي لهذه الطّبعة متعارض تماما مع القصيدة العموديّة التي تشبه ذرّات الرّمل في ساندويتش ماكدونالدز، لا تعرف هل تهضمها لأنّها قد تكون جزءا من جماليّة السّندويتش الجديد، أم تبصقها إذا كنتَ حقّا تعرف طعم فمك وتعرف أنّ الرّمل ليس جزءا من الطّعام برمّته. جودة الشّعر المعروض في هذه الطّبعة (الشّعر المعلّب، شعر القطيع)، هو تماما مثل جودة الممثّلين السّوريين في المسلسلات اللّبنانية أو فلنقل مسلسلات ما بعد الثّورات العربيّة الذّريعة الفشل. وبهذه العقليّة العجائزيّة التي صارت تُسيّر كلّ شيء بما في ذلك الذّائقة الشّعرية، ستصل الثّقافة العربيّة إلى التّراب في العصير بدل السّكر. وبالانغلاق على الشّكل التّقليدي للقصيدة، يتمّ الحفاظ على العقليّات الصّندوقية، وتهميش قصيدة النّثر هو تهميش للحرّيات الفكريّة، والعقول المبدعة خارج الصّناديق، وتكميم للأصوات الحقيقيّة المبدعة. لا يمكن لقصيدة تُعلي شأن هذه الرّداءة والصّفاقة، أن تكون شعرا أبدا، الشّاعر الحقّ يقف على ناصية الفكر يصدح حيث الصّمت الموحش عن عمق لا تفقهه السّوق ولا يُثير رغبة التّصفيق، هو فقط يثير التّيه والتّأمل والتّساؤل ووجع الرّأس. في هذا الزّمن من الذي يريد أن يتألّم رأسه؟!

تعليقات