يا ليتك يا أبي..من كتاب رسائل عتاب للمبدعة المغربية دكتورة نجية الشياظمي

هل تعلم يا أبي أنني لا ألومك على شيء ، سوى أنك لم تعلمني القسوة ، لم تعلمني الاحتيال ، لم تعلمني الاستغلال ... فوجدت نفسي فريسة لكل ما لم تعلمني إياه و ما لم أتمكن من تعلمه لوحدي ، أعلم أنك علمتني كل ما ينفعني و كل ما هو خير لي ، لكنني بعد رحيلك اكتشفت أن كل ما اعتبرته غير مفيد لي ، كان أكثر ما وجدت نفسي أحتاجه و بشدة الآن .
هكذا اكتشفت الوجه القبيح لكل شيء بعد رحيلك ، حتى ما كان يبدو أجمل و أبهى . لست أدري أمن شدة قبحها أم أن جمال روحك و وجودك كان يطغى و يمنع عني رؤية ما لا يبعث في نفسي السعادة و الفرح . لقد كان الوجود بوجودك أكثر جمالا و روعة . بعد رحيلك غاب الجمال ، غاب الدفء بل غابت الحياة تماما ، و كتب علي أن أعيش كشبح كظل يختبئ من ظله .
ألومك يا أبي أنك رحلت دون و قبل أن تهيئني لكل هذا الألم الذي أصبحت أتنفسه مع الهواء في كل زفرة أستنشقها . أعلم أنه لم يكن تقصيرا منك في حقي بقدر ما كان قمة الثقة ، كنت دائما تبرز ثقتك في ، و يقينك في أنني سأكون دائما في مستوى القوة التي تنقذني و تميل بي حيث الأمن و الأمان .
ما أصعب الحياة بعدك ، و ما أمر الصبر على فراقك .لست أدري إن كنت تعلم مدى الألم الذي أصابني حينما غبت عنا . لكنني أعلم علم اليقين أن عينك دائما ترعاني و ترافقني في كل خطوة ، حتى في زلاتي ، أعلم علم اليقين أنك الآن تراقبني من أعلى و من بعيد ، لم يعد دورك أن تنهاني أو تنبهني ، فقد علمت و أنت في دار الحق ، أن الحق أن نعيش لا أن نسمع ، فلقد سمعنا منك الكثير ، لكن يا ترى ماذا نتذكر الآن ؟ فنحن ننسى بسرعة نصائح و إرشادات من يحبونا . نرفض كل سلطة تفرض علينا و لا نعلم أننا في مرحلة معينة علينا ممارستها على أنفسنا بأنفسنا . هكذا أصبحت مقتنعة الآن .
أنا الآن أيضا على علم أن بناتي سيكتبن لي نفس الكلمات ، حينما أكون هناك معك و ألتقي بك في ذلك العالم الخفيف النظيف ، سيلمنني بدورهن ، لأنني على يقين أنني ارتكبت نفس الحسنات التي ارتكبتها معي . و سيفهمن بعدها مثلي تماما ، أننا لا نتعلم بالكلمات فقط ، بل علينا أن نعيش و نراكم الخبرات .
لروحك السكينة و السلام يا أبي ، فقد كنت أحن علي من نفسي .

تعليقات