ميزان المعاش وشرخ العمران..الدكتور محمد حسن يوسف،خبير التطوير الإداري والمؤسسي

 ميزان المعاش وشرخ العمران

كيف تعيد الضغوط الاقتصادية صياغة الوجدان المصري؟

حين كتب ابن خلدون عن أثر المعاش في أحوال البشر، لم يكن يتحدث عن الاقتصاد باعتباره أرقامًا ودخولًا وأسعارًا فقط، وإنما كان يرى أن طريقة الناس في تحصيل معاشهم تؤثر في طبائعهم وعاداتهم وعلاقاتهم وعمرانهم. وهذه الفكرة تبدو شديدة الصلة بما يحدث في المجتمع المصري اليوم؛ فالضغوط الاقتصادية لا تتوقف آثارها عند قدرة الأسرة على شراء الطعام أو دفع الإيجار، وإنما تمتد تدريجيًا إلى طريقة تفكيرها، وطبيعة علاقاتها، ونظرتها إلى المستقبل، وحتى القيم التي تحكم سلوك أفرادها. فالاقتصاد لا يغير مستوى معيشة الناس فقط؛ أحيانًا يغير الناس أنفسهم. ولعل أول ما تغير هو شكل الحياة التي يعيشها المصري. فقد انتقل جزء كبير من المجتمع خلال العقود الماضية من أنماط معيشة أكثر بساطة، كان فيها السكن والعمل والعلاقات الاجتماعية تدور في دوائر متقاربة، إلى عمران حضري شديد الاتساع، ترتفع فيه تكلفة كل شيء تقريبًا: السكن، والمواصلات، والتعليم، والعلاج، والطعام، والترفيه، وحتى تكوين الأسرة نفسها. ولم يعد الإنسان يعيش فقط من أجل تلبية الضروريات، وإنما أصبح مطالبًا بمجاراة مستوى معيشي تفرضه المدينة الحديثة وما يصاحبها من استهلاك ومظاهر اجتماعية متزايدة. وهكذا اتسعت المسافة بين ما يريده الإنسان وما يستطيع أن يتحمله، وأصبح جزء كبير من حياة المصريين قائمًا على محاولة مستمرة للحاق بتكاليف الحياة.
وهذا الضغط الاقتصادي أعاد تشكيل الأسرة المصرية نفسها. فالأسرة التي كان يمكن أن يعيش فيها الأب بدخل واحد في ظروف أكثر بساطة، أصبحت في كثير من الحالات تحتاج إلى دخلين أو أكثر حتى تستطيع الحفاظ على المستوى المعيشي المقبول. فخرج الأب إلى العمل لفترات أطول، وخرجت الأم هي الأخرى إلى سوق العمل، وأصبح الوقت الذي يجتمع فيه أفراد الأسرة أقل، بينما ازدادت الضغوط التي يحملها كل طرف معه إلى المنزل. ولم يعد الأمر مجرد تغير في توزيع الأدوار بين الرجل والمرأة، وإنما أصبح تغيرًا في وظيفة الأسرة نفسها؛ فكلما استهلك العمل معظم طاقة الوالدين، أصبح البيت أقل قدرة على أداء أدواره التربوية والعاطفية والاجتماعية، وبدأ الأطفال يبحثون عن مصادر أخرى للمعرفة والتوجيه والانتماء. ثم يأتي الاستهلاك ليضيف طبقة جديدة إلى المشكلة. فالمجتمع الحديث لا يكتفي بأن يقول للإنسان: اشترِ ما تحتاجه، وإنما يدفعه باستمرار إلى أن يريد المزيد. ومع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، أصبح الإنسان يقارن حياته بصورة الآخرين طوال الوقت؛ يرى بيتًا أفضل، وسيارة أحدث، وملابس أغلى، ومطاعم أكثر فخامة، وسفرًا أكثر، وحفلات أكثر تكلفة. وهنا لا يعود الضغط الاقتصادي ناتجًا عن ارتفاع الأسعار وحده، وإنما ينشأ أيضًا من ارتفاع سقف التوقعات. وقد يجد الإنسان نفسه مضطرًا إلى الإنفاق ليس لأنه يحتاج ما يشتريه، وإنما لأنه يخشى أن يبدو أقل من الآخرين. وهكذا يتحول الاستهلاك من وسيلة للراحة إلى وسيلة لإثبات المكانة، ويصبح الفارق بين الدخل المطلوب للعيش والدخل المطلوب لمجاراة المجتمع أكبر فأكبر. وعندما يزداد الضغط الاقتصادي ويشعر الإنسان أن دخله لا يكفي وأن الطريق الطبيعي للترقي أصبح أكثر صعوبة، فإن التأثير لا يبقى في الجيب، وإنما ينتقل إلى الوجدان. الإنسان الذي يعمل طوال اليوم ولا يرى ثمرة جهده، أو الذي يشعر أن دخله يفقد قيمته باستمرار، أو الذي يرى أبناءه يحتاجون إلى ما لا يستطيع توفيره، يعيش حالة دائمة من القلق. ومع الوقت يمكن أن تتراجع لديه مشاعر الرضا والأمان، ويصبح أكثر حذرًا في علاقاته وأكثر اهتمامًا بمصلحته المباشرة. وهنا ينبغي أن نكون حذرين: ليس كل تغير أخلاقي سببه الاقتصاد، وليس الفقر مبررًا للكذب أو التحايل أو الإضرار بالآخرين، لكن الضغوط المستمرة تستطيع أن تضع الإنسان أمام اختبارات أخلاقية متكررة، وقد تجعل بعض السلوكيات التي كانت مرفوضة اجتماعيًا تبدو للبعض وسائل مقبولة للبقاء. ومن هنا يمكن أن نفهم شيئًا من التحول الذي طرأ على بعض ملامح الشخصية الاجتماعية المصرية. فالمصري الذي عُرف تاريخيًا بالشهامة، والتكافل، ومساعدة الجار، والقدرة على تحمل الأزمات مع الآخرين، لا يزال يحمل هذه الصفات، لكن الضغوط المتراكمة يمكن أن تضيق المساحة التي يمارس فيها هذه القيم. فعندما يشعر الإنسان أنه يكافح وحده من أجل تأمين احتياجات أسرته، وأن أي خطأ مالي قد يهدد استقراره، يصبح أكثر ميلًا إلى حماية موارده والاحتفاظ بها لنفسه. ومع استمرار هذا الشعور عبر سنوات، يتحول الحذر إلى ثقافة، والمصلحة الفردية إلى أولوية، ويبدأ المجتمع في الانتقال تدريجيًا من منطق "نساعد بعضنا" إلى منطق "كل واحد يدبر نفسه". وهنا لا يكون التغير الاقتصادي قد غيّر الدخول فقط، بل بدأ يعيد تشكيل العلاقة بين الإنسان ومجتمعه. وتظهر المشكلة بصورة أكثر وضوحًا في الطبقة الوسطى، لأنها تقع في المنطقة الأكثر تعرضًا للضغط. فهي ليست فقيرة بالمعنى التقليدي، لكنها لم تعد قادرة بسهولة على الحفاظ على المستوى الذي كانت تعتبره طبيعيًا. تعليم الأبناء، والرعاية الصحية، والسكن، والمواصلات، ومتطلبات الحياة اليومية، كلها تستهلك جزءًا متزايدًا من دخلها، بينما يصبح الانتقال إلى مستوى أعلى أكثر صعوبة. ولذلك قد نجد أسرة تبدو من الخارج مستقرة، بينما يعيش أفرادها في الداخل تحت ضغط مالي مستمر، ويؤجلون احتياجاتهم، ويستدينون، ويبحثون عن عمل إضافي، أو يفكرون في الهجرة. والخطر هنا ليس اقتصاديًا فقط؛ لأن تآكل الطبقة الوسطى يعني تآكل إحدى أهم المساحات التي تنتج الاستقرار الاجتماعي والثقافي. وهنا نصل إلى العلاقة الأعمق بين الاقتصاد والعمران. فحين يصبح الحصول على حياة مستقرة في المدن الكبرى أكثر تكلفة، يبدأ الناس في تغيير اختياراتهم: أين يسكنون، وأين يعملون، ومتى يتزوجون، وعدد الأطفال الذين ينجبونهم، وهل يستطيعون البقاء قريبين من أسرهم أم يضطرون إلى الانتقال بعيدًا أو الهجرة إلى الخارج. ومع كل قرار من هذه القرارات تتغير خريطة المجتمع. الأسرة الممتدة تتراجع، والحي الذي كان يعرف سكانه بعضهم بعضًا يتغير، والوقت الذي كان يقضيه الناس مع أقاربهم وجيرانهم يتقلص، وتصبح الحياة أكثر فردية. العمران ليس مباني وشوارع فقط؛ العمران في جوهره طريقة الناس في العيش معًا. ولذلك فإن تغير الاقتصاد يعيد تشكيل العمران، وتغير العمران يعيد تشكيل العلاقات، ثم تعود هذه العلاقات لتؤثر في الإنسان نفسه. ولهذا فإن التعامل مع الأزمة الاقتصادية باعتبارها مجرد مشكلة أسعار ودخول قد يجعلنا نرى نصف الصورة فقط. نعم، الناس تحتاج إلى سياسات اقتصادية أكثر قدرة على حماية القوة الشرائية، وإلى فرص عمل منتجة، وإلى بيئة تشجع الاستثمار الحقيقي والعمل، وإلى تخفيف الأعباء التي تثقل كاهل الأسر والمنتجين. لكننا نحتاج أيضًا إلى أن ندرك أن إصلاح الاقتصاد هو في جانب منه إصلاح اجتماعي وأخلاقي؛ لأن الإنسان الذي يشعر أن عمله له قيمة، وأن جهده يمكن أن يحسن حياته، وأن أبناءه يستطيعون أن يتقدموا بوسائل مشروعة، سيكون أكثر استعدادًا للمبادرة والتعاون والثقة بالمجتمع. أما عندما ينقطع الأمل في أن يؤدي العمل الشريف إلى حياة أفضل، فإن أخطر ما نخسره ليس بعض النقاط في مؤشرات الاقتصاد، وإنما إيمان الإنسان بجدوى العمل نفسه. وفي النهاية، ربما تكون الرسالة الأهم التي يمكن أن نتعلمها من ابن خلدون أن المجتمع لا يتغير من أعلى فقط عبر القرارات والسياسات، وإنما يتغير أيضًا من أسفل، عبر تفاصيل المعاش اليومي. حين يتغير معاش الناس، تتغير عاداتهم، وحين تتغير عاداتهم تتغير علاقاتهم، وحين تتغير علاقاتهم يتغير وجدان المجتمع. ولذلك فإن إنقاذ المجتمع المصري من آثار الضغوط الاقتصادية لا يعني فقط خفض الأسعار أو زيادة الدخول، رغم أهمية ذلك، وإنما يعني إعادة بناء شعور الإنسان بأن المستقبل ممكن، وأن العمل الشريف يمكن أن يصنع حياة كريمة، وأن النجاح لا يحتاج إلى التحايل، وأن الأسرة تستطيع أن تعيش لا أن تكافح فقط من أجل البقاء. فالمجتمع الذي يفقد الأمل يبدأ في تغيير قيمه كي يتكيف مع واقعه، أما المجتمع الذي يستعيد الأمل فيستطيع أن يستعيد معه أفضل ما فيه من شهامة وتكافل وعمل وكرامة وانتماء.

تعليقات