سلسلة إدارة الأسرة(1)..دكتور محمد حسن يوسف ، خبير التطوير الإداري والمؤسسي

إدارة الأسرة .. حين يصبح البيت مؤسسة تحتاج إلى قيادة ..
(1) أبناء الشاشات ووالدو الهواتف: حقيقة التربية بالضغط على الريموت:

في عالم يتسارع فيه إيقاع الحياة وتتضاعف فيه الضغوط الاقتصادية، أصبحت الأسرة المعاصرة تعمل تحت ضغط مستمر لتوفير احتياجاتها وتأمين مستقبل أبنائها. ومع هذا التسارع، تغير شكل الحضور الأبوي في حياة الأبناء؛ فلم يعد الغياب دائمًا نتيجة عدم الاهتمام، وإنما أصبح في كثير من الأحيان نتيجة استنزاف الوقت والطاقة في العمل والسعي وراء متطلبات الحياة. وهنا ظهر نمط يمكن أن نطلق عليه "التربية بالضغط على الريموت"؛ حيث يحاول الوالدان إدارة حياة أبنائهما من بعيد، برسالة على الهاتف، أو مكالمة سريعة، أو تعليمات مختصرة، أو متابعة متقطعة لما يحدث معهم. المشكلة أن الأسرة، مثل أي مؤسسة، لا يمكن أن تُدار بالقرارات والتعليمات وحدها، لأن القيادة الحقيقية تحتاج إلى حضور وفهم وتفاعل مستمر.

لقد ظن بعض الآباء، تحت وطأة الشعور بالذنب، أن توفير المال والأجهزة الحديثة والملابس والمصروفات والاحتياجات المختلفة يمكن أن يعوض جانبًا من غيابهم. وهنا يحدث الخلط بين إدارة الاحتياجات وإدارة الإنسان. فالمال يستطيع أن يوفر للابن ما يحتاجه ماديًا، لكنه لا يستطيع أن يمنحه بالضرورة الشعور بأنه مهم، وأن هناك من يسمعه ويفهمه ويعرف ما يمر به. وفي الإدارة، لا يكفي أن توفر للموظف راتبه وأدوات العمل، ثم تتركه دون توجيه أو متابعة أو تقدير، ثم تتوقع منه أن يظل مرتبطًا بالمؤسسة. وكذلك الأبناء؛ فاحتياجاتهم المادية جزء من مسؤولية الأسرة، لكنها ليست كل المسؤولية.
والأخطر أن الغياب المستمر يخلق فراغًا في القيادة الأسرية. فالابن في مراحل نموه لا يحتاج فقط إلى من يقول له ماذا يفعل، وإنما يحتاج إلى من يساعده على فهم لماذا يفعل، وإلى من يناقشه عندما يخطئ، ويستمع إليه عندما يتردد، ويضع أمامه الحدود عندما يتجاوز. هذه هي الوظيفة الحقيقية للقيادة: ليست إصدار الأوامر، وإنما بناء القدرة على اتخاذ القرار. وعندما يغيب هذا الدور، يبحث الابن بصورة طبيعية عن مصادر أخرى للتوجيه والانتماء، وهنا تدخل المنصات الرقمية لتملأ الفراغ، لا باعتبارها أدوات ترفيه فقط، وإنما باعتبارها بيئة اجتماعية وثقافية تقدم النماذج والأفكار والقيم وتمنح الإحساس بالانتماء.
ومن هذه الزاوية، فإن المشكلة ليست في الهاتف وحده، كما أن الحل ليس في انتزاع الهاتف من يد الابن. الهاتف أصبح جزءًا من بيئة العمل والحياة والتعلم والتواصل، لكن الخطر يبدأ عندما يصبح هو المدير الفعلي لحياة الابن. فإذا كان الوالدان لا يقدمان القدوة، ولا يملكان وقتًا للحوار، ولا يعرفان ما الذي يشغل أبناءهما، فإن المنصات الرقمية ستجد مساحة واسعة لتشكيل وعيهم وسلوكهم. وفي لغة الإدارة، عندما تترك المؤسسة فراغًا في القيادة، فإن الفراغ لا يبقى فارغًا؛ شخص آخر أو جماعة أخرى أو ثقافة أخرى ستملؤه.
وهنا تظهر قضية أخرى شديدة الأهمية: التربية ليست تفويضًا كاملًا. قد يستعين الوالدان بالمدرسة، وبالأقارب، وبالمدربين، وبالخبراء، وبالتكنولوجيا، لكن لا يمكن تفويض المسؤولية عن بناء شخصية الابن بالكامل إلى أي طرف آخر. في الإدارة، يستطيع المدير أن يفوض المهام، لكنه لا يستطيع أن يفوض المسؤولية عن النتيجة. وبالمثل، يستطيع الأب والأم أن يستعينا بكل أدوات التربية الحديثة، لكنهما يظلان أصحاب المسؤولية الأساسية عن بناء البيئة التي ينمو فيها أبناؤهما.
كما أن الإدارة الجيدة لا تقوم على المراقبة المستمرة، وإنما على بناء الثقة ثم المتابعة الذكية. وهذا ينطبق على الأبناء بصورة أكبر. فالمتابعة التي لا يصاحبها حوار قد تتحول إلى رقابة، والرقابة التي لا تصاحبها ثقة قد تدفع الابن إلى إخفاء ما يفعله بدلًا من مناقشته. لذلك فإن المطلوب ليس أن يعرف الوالدان كل حركة يقوم بها الابن، وإنما أن يعرفاه هو نفسه؛ أن يعرفا مخاوفه، وأصدقاءه، وطموحاته، وما يغضبه، وما يشعره بالفشل، وما يجعله يبحث عن نفسه خارج البيت.
ولهذا فإن الحل لا يكمن في مطالبة الآباء بترك أعمالهم أو التخلي عن طموحاتهم المهنية، فذلك غير واقعي وغير عادل. المطلوب هو إعادة تصميم الوقت الأسري. وكما تعيد المؤسسة توزيع مواردها وفقًا لأولوياتها، يجب أن تتعامل الأسرة مع وقتها باعتباره موردًا استراتيجيًا. قد لا يستطيع الأب أو الأم تقديم ساعات طويلة يوميًا، لكنهما يستطيعان تخصيص وقت نوعي منتظم لا ينافسه الهاتف ولا العمل ولا التلفزيون. دقائق قليلة من الحضور الحقيقي قد تكون أكثر تأثيرًا من ساعات طويلة يقضيها أفراد الأسرة في المكان نفسه دون تواصل حقيقي.
وفي النهاية، فإن أخطر ما في "التربية بالضغط على الريموت" أنها توهم الوالدين بأنهما ما زالا يديران حياة أبنائهما، لمجرد أنهما يرسلان التعليمات ويتابعان الأخبار ويتدخلان عند حدوث المشكلة. بينما القيادة الحقيقية لا تظهر عندما تقع الأزمة فقط؛ وإنما تُبنى قبل الأزمة، من خلال الحضور، والقدوة، والحوار، والثقة، ووضع الحدود، وإتاحة مساحة آمنة للخطأ والتعلم. فالأسرة الناجحة لا تربي أبناءها بالريموت، كما أن المؤسسة الناجحة لا تدير موظفيها بالتعليمات عن بُعد فقط. وفي الحالتين، لا يمكن أن تحل التكنولوجيا محل العلاقة الإنسانية، ولا يمكن للإنفاق أن يعوض غياب القيادة.
ربما يكون السؤال الذي ينبغي أن يسأل كل أب وأم نفسيهما اليوم ليس: كم أنفقنا على أبنائنا؟ وإنما: كم من حضورنا أعطيناهم ؟ لأن ما يحتاجه الابن لكي يبني مستقبله ليس فقط أبًا يوفر له المستقبل، وإنما أبًا وأمًا يساعدانه على أن يصبح قادرًا على مواجهته.

تعليقات