كثيرًا ما نتحدث عن مشكلات الأبناء كما لو أنها بدأت عندهم: طفل عنيد، ومراهق متمرد، وشاب مدمن للهاتف، وابنة لا تتحدث مع أمها، وابن لا يثق في أبيه. ثم نبحث عن أساليب لتعديل السلوك، ونضع قواعد لاستخدام التكنولوجيا، ونناقش أهمية الحوار، ونحمل المدرسة والمجتمع والإعلام مسؤولية ما يحدث. وكل ذلك مهم، لكنه يترك سؤالًا أكثر إزعاجًا في الخلفية: ماذا لو كان جزء من المشكلة قد بدأ قبل أن يبدأ الطفل في المشكلة أصلًا؟
التربية لا تبدأ عندما يقول الأب لابنه: "افعل" أو "لا تفعل"، وإنما تبدأ من الإنسان الذي يقف خلف هذه الكلمات. فالطفل لا يتلقى أوامر والديه فقط؛ إنه يعيش داخل شخصيتهما، ويراقب طريقتهما في الغضب والاختلاف والاعتذار والحب والخوف واتخاذ القرار. الأب الذي لا يستطيع السيطرة على غضبه لا يربي ابنه على الهدوء بمجرد أن يطلب منه ألا يغضب، والأم التي تعالج خلافاتها بالكذب أو الانتقام يصعب أن تقنع ابنتها بأن الصدق والتسامح قيمتان أساسيتان. ولهذا فإن التربية ليست مجرد معلومات نلقيها على الطفل، وإنما بيئة إنسانية يتشكل داخلها الطفل كل يوم.
وهنا تظهر مشكلة عميقة في مجتمعاتنا: نحن نُعد الإنسان لكثير من أدواره، لكننا نكاد لا نعده لدور الأب أو الأم. يستطيع الإنسان أن يقضي سنوات في التعليم حتى يصبح طبيبًا أو مهندسًا أو محاسبًا أو معلمًا، بينما يمكن أن يصبح مسؤولًا عن تشكيل شخصية إنسان آخر بمجرد أن تسمح له ظروف الزواج والإنجاب بذلك، دون أن يتعلم شيئًا حقيقيًا عن مراحل نمو الطفل، أو احتياجاته النفسية، أو كيفية التواصل معه، أو إدارة سلوكه، أو التعامل مع الخلافات الأسرية. وغالبًا ما يعتمد الوالدان على ما ورثاه من أسرتيهما: "إحنا اتربينا كده"، وكأن الطريقة التي تربينا بها تصلح تلقائيًا لجيل يعيش في عالم مختلف تمامًا.
والأخطر أن الوالدين قد يدخلان الأبوة والأمومة وهما يحملان جراحهما الخاصة التي لم يتعلما كيف يتعاملان معها. أب يخاف من الفشل فيحول ابنه إلى مشروع إنجاز لا يتوقف، وأم عانت الحرمان فتغرق أبناءها في المال والأشياء لتعوضهم عما حُرمت منه، وأب تربى على القسوة فيكرر القسوة لأنه لا يعرف طريقة أخرى، وأم شديدة الخوف ترى في كل خطوة من خطوات ابنها خطرًا يستوجب السيطرة. وهكذا قد لا يكون الطفل هو الذي اختار طريقة حياته، لكنه يصبح أحيانًا المكان الذي تُفرغ فيه الأسرة تاريخها النفسي كله.
وتظهر المأساة بصورة أكثر قسوة عندما ينفصل الأبوان. فالطلاق قد ينهي العلاقة الزوجية، لكنه لا ينبغي أن ينهي الأبوة أو الأمومة. ومع ذلك نرى حالات يتحول فيها الأبناء إلى أدوات في الصراع: أم تمنع الأب من رؤية أبنائه انتقامًا منه، أو تخبر أبناءها أن أباهم مات رغم أنه حي، أو أب يتوقف عن الإنفاق على أولاده لأن علاقته بأمهم انتهت. في هذه اللحظة لا يعود الخلاف مجرد خلاف بين زوجين؛ لأن هناك أطفالًا تُعاد صياغة علاقتهم بأحد والديهم بناءً على غضب الطرف الآخر. الطفل ليس ملكية لأبيه أو أمه، وليس ساحة لتصفية الحسابات. وانتهاء الزواج لا يلغي المسؤولية الأبوية، كما أن الخلاف بين الوالدين لا يعطي أيًا منهما الحق في صناعة صورة مشوهة للآخر داخل عقل الطفل.
لكن المأساة لا تحتاج إلى طلاق حتى تحدث. هناك أسر تستمر في الزواج، بينما يعيش الأبناء داخل بيت مليء بالصراخ والإهانة والبرود والسيطرة والتجاهل. أب حاضر بجسده لكنه غائب عن حياة أبنائه، وأم موجودة طوال اليوم لكنها منشغلة دائمًا، أو أبوان يحولان كل اختلاف إلى معركة ينتظر الأبناء نهايتها. وقد يتعلم الطفل من هذا كله درسًا أخطر من أي درس تقوله له المدرسة: أن العلاقات الإنسانية تقوم على القوة، وأن الغضب وسيلة للتواصل، وأن الأقوى هو الذي يفرض ما يريد. لذلك فإن مجرد استمرار الزواج لا يعني بالضرورة نجاح المؤسسة الأسرية؛ فقد يكون البيت قائمًا من الخارج، بينما تنهار وظيفته التربوية من الداخل.
ومن هنا نحتاج إلى إعادة تعريف معنى "الوالد الصالح". ليس الوالد الصالح هو الذي لا يخطئ، ولا الذي يعرف إجابة كل سؤال، ولا الذي يستطيع أن يوفر لأبنائه كل ما يريدون. الوالد الصالح هو الذي يعرف نفسه بما يكفي حتى لا يجعل أبناءه يدفعون ثمن مشكلاته، ويعرف عقل الطفل بما يكفي حتى لا يفسر كل سلوك بمنطق الكبار، ويملك من النضج ما يجعله قادرًا على الاعتذار والتراجع عندما يخطئ. فالطفل الذي يخطئ يحتاج إلى أب يستطيع أن يصحح السلوك دون أن يهدم كرامته، ويحتاج إلى أم تستطيع أن تضع حدودًا دون أن تجعل الحب مشروطًا بالطاعة. وكلما زاد وعي الوالدين بأنفسهما وبأبنائهما، قلت العشوائية في التربية.
وهذا لا يعني أن نطالب الوالدين بالمثالية؛ فذلك غير واقعي وغير إنساني. الأب قد يغضب، والأم قد تخطئ، وقد يمر البيت بظروف اقتصادية ونفسية واجتماعية قاسية. لكن الفارق بين الأسرة القادرة على التعلم والأسرة التي تعيد إنتاج أخطائها هو القدرة على المراجعة. أن يتوقف الأب بعد صراخه ويسأل نفسه: لماذا غضبت بهذه الطريقة؟ وأن تستطيع الأم أن تقول لابنتها: "أنا أخطأت عندما قلت لك ذلك". وأن يدرك الوالدان أن طلب المساعدة من متخصص في التربية أو العلاقات الأسرية ليس عيبًا، وإنما اعتراف بالمسؤولية. فعدم المعرفة يمكن علاجه بالتعلم، والخطأ يمكن إصلاحه بالاعتذار والتغيير، لكن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن نكرر الخطأ نفسه ثم نطالب أبناءنا بالتكيف معه.
والطفل، في النهاية، لا يحتاج إلى والدين مثاليين بقدر ما يحتاج إلى والدين حاضرين. لا أقصد بالحضور أن يتركا العمل أو أن يقضيا كل ساعات اليوم مع أبنائهما، وإنما أن يكون للطفل وقت حقيقي لا ينافسه فيه الهاتف والعمل والانشغال، وأن يجد من يسمعه عندما يتحدث، ومن يفهم سؤاله قبل أن يسخر منه، ومن يحاول أن يرى العالم بعينيه لا بعينيه هو فقط. فالطفل لا يحتاج دائمًا إلى حل مشكلته؛ أحيانًا يحتاج إلى أن يشعر فقط أن هناك شخصًا بالغًا يستطيع أن يقول له: "أنا فاهم أنت حاسس بإيه، وأنا موجود معاك".
وهنا نصل إلى الخلاصة التي ربما نحتاج أن نعيد بناء مفهوم التربية كلها حولها: التربية الصحيحة تبدأ قبل أن نوجه الطفل؛ تبدأ من قدرة الوالدين على فهم أنفسهما، وفهم عقل الطفل، والحضور الحقيقي في حياته. فإذا أردنا أبناء أكثر اتزانًا، فعلينا ألا نسأل فقط: كيف نصلح أبناءنا؟ بل أن نسأل أنفسنا أولًا: ماذا يحتاج الأب والأم أن يصلحاه في نفسيهما حتى لا تنتقل مشكلاتهما إلى أبنائهما؟
قد لا نستطيع أن نمنح أبناءنا طفولة مثالية، لكننا نستطيع أن نمنحهم شيئًا أهم: والدين يتعلمان، ويراجعان نفسيهما، ويعترفان بأخطائهما، ويحاولان كل يوم أن يكونا أفضل. لأن أعظم ما يمكن أن نربي عليه أبناءنا ... أن يروا أمامهم نموذجًا للإنسان الذي يستطيع أن يتغير.
