نزهة صفي ، تكتب: فن استعباد العقول

في زمن تكثر بل تتدفق فيه المعلومات بلا توقف ، لم يعد استعباد الإنسان يحتاج إلى قيود أو حواجز. لقد تغير شكل السيطرة، إنها السيطرة على العقول.
فالعقل اليوم هو ساحة المعركة الحقيقية. فالشاشات تصنع القرارات، و العناوين المثيرة توجه و تأثر على المشاعر، وتبنى الآراء و وجهات النظر من خلال التكرار لا البرهان. وهكذا يجد الإنسان نفسه يتبنى أفكارا لم يخترها، ويدافع عن مواقف لم يفكر فيها بعمق، وهو يظن أنه يمارس حريته الكاملة.

إلى أي حد نحن أحرار في تفكيرنا؟ و كيف لنا أن نجد المصداقية هل من الإعلام، أم الخطاب السياسي، أم الجماعة، أو منصات التواصل الاجتماعي؟ هذه الأخيرة التي أصبحت مصنعا ضخما للرأي العام ، حيث تنتشر المعلومة الصحيحة والزائفة بالسرعة نفسها ، ويقاس الصدق بعدد المشاركات و المشاهدات لا بقوة الدليل.
يتم استعباد العقول بالقوة، بل بالتكرار. الأفكار و المعلومات يعاد نشرها مئات المرات فتتحول تدريجيا إلى حقيقة. والأخبار تقدم بلغة عاطفية تسبق العقل إلى القلب، فتعطل التفكير النقدي. كما أن الانتماء للجماعة يلعب دورا هاما ، بحيث يميل الإنسان فطريا إلى تبني آراء محيطه خوفا من العزلة أو الرفض.
فيعتقد الكثير من الناس أنهم يختارون مواقفهم بأنفسهم، بينما الحقيقة أن جزءا كبيرا من تلك الاختيارات هو نتاج تراكم رسائل يومية: صور، عناوين، تعليقات، ومقاطع قصيرة تغذي اللاوعي باستمرار.
وهنا تكمن المشكلة: حين يفقد الإنسان قدرته على التمييز بين ما يفكر فيه حقا، وما رسخ في ذهنه بالتدريج.
أمام هذا الواقع المر، يصبح الوعي ضرورة والتفكير النقدي هو خط الدفاع الأول ضد الاستعمار الفكري. و هنا يبدأ الواعون بطرح الأسئلة البسيطة: من المستفيد من هذا الخطاب؟ ما مصدر هذه المعلومة؟ هل هو رأي أم حقيقة موثقة؟
كما أن العمل على تنويع مصادر المعرفة، و التأكد منها، والابتعاد عن الاستهلاك المفرط للمحتوى المشكوك فيه، او ان صح التعبير، المسموم، ، وتربية الأبناء على ثقافة السؤال، و البحث عن المصادر لتحري الحقائق، لا التلقي فقط، كلها خطوات أساسية نحو بناء إنسان حر الفكر و التفكير.
في هذا العصر المليء بالتكنولوجيا، نحن أحوج ما نكون إلى الوعي الجاد ، خاصة في ظل تصاعد خطاب الكراهية، وانتشار الأخبار الزائفة، وسهولة الانجرار خلف "الترند". فمعركة اليوم ليست سياسية أو اقتصادية فقط ، بل هي فكرية بالدرجة الأولى.
و من أخطر مظاهر العبودية أن يظن الإنسان نفسه حرا فكريا ، في حين أن أفكاره تصنع بعيدا عنه ، ثم تزرع في عقله ، أو تملى عليه !

تعليقات