يُعَدّ شهرُ رمضان من أعظم شهور السنة عند المسلمين ، فهو شهر الصيام والقيام ، وشهر الرحمة والمغفرة ، وفيه تتجلى أسمى معاني الإحسان والتكافل الاجتماعي.
ومن أبرز الأعمال الصالحة التي يحرص عليها المسلم في هذا الشهر الفضيل الصدقة ، لما لها من فضل عظيم وأثر بالغ في تهذيب النفوس وبناء المجتمعات.
ومن أبرز الأعمال الصالحة التي يحرص عليها المسلم في هذا الشهر الفضيل الصدقة ، لما لها من فضل عظيم وأثر بالغ في تهذيب النفوس وبناء المجتمعات.
وقد حثّ القرآن الكريم على الصدقة والإنفاق في سبيل الله ، فقال تعالى:
﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾ ، مما يدل على عِظم الأجر ومضاعفة الثواب. وتزداد قيمة الصدقة في شهر رمضان، إذ يجتمع فيها شرف الزمان مع الإخلاص في العمل، وكان النبي ﷺ أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان. والصدقة في رمضان ليست مالًا فقط، بل تشمل كل عمل خير، كإطعام الصائمين، ومساعدة المحتاجين، وقضاء حوائج الناس، والكلمة الطيبة ، قال تعالى:
﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى﴾.
وقد عبّر الشعراء عن فضل العطاء بأبيات خالدة، فقال أحدهم:
سأُنْفقُ في سبيل اللهِ مالِي
وما عنْدِي، وما مالِي بمَالِي
وما أنا بالذي أَوجدْتُ رِزقِي
فإنَّ اللهَ رزَّاقُ العِيالِ
سأُنْفِقُ فِي سبيلِ اللهِ حَتَّى
أَقِي وجهِي غدًا عندَ السُّؤالِ
وأَبْذلُ ما استَطَعْتُ لَعَلَّ رَبِّي
يقِي كفِّي عَسِيراتِ الليالِي
ولستُ بمُنفِقٍ عَنْ قَوْلِ: أعْطَى
ولا أرجُو المَدَائِحَ في النَّوالِ
ولكنِّي رأيْتُ اللهَ أَوْلَى
ذَوِي الإحسَانِ جنَّاتِ المعالي
وأخشَى إنْ بَخِلْتُ أَكُونُ عَبْدًا
جحُودًا قدْ عصَى رَبَّ الجَلالِ
أَيُعطيني وأجحدُ ما حَبَاني؟
ويمنحُنِي وأمْنَعُ لا أبالي؟
أأرضَى أن أبيتَ على رخاءٍ
وأعلمُ ذا الخصاصةِ والكَلالِ؟
أنا ما عشْتُ أبذُلُ ما أفاضتْ
يدُ المولى منَ المالِ الحلالِ
يجُودُ عليَّ ثمَّ أجودُ حتَّى
أُرَدَّ إلى الصفائحِ والرمالِ
كأني حِينَ أنفقُ زدتُ عمْرًا
منَ الأعمارِ فيمَا قد مَضَى لِي
وأشْعرُ أنني أهْلٌ لأحيَا
معَ الأحياءِ حالي خيرُ حَالِ
ويومَ تضيقُ لا أسْطِيعُ بَذلًا
أُحِسُّ بأننيِ شرُّ الرجالِ
فيا ربِّي سألتُكَ يا غنيًّا
سُؤالَ العبْدِ يطمعُ في المآلِ
لتجعلني إلى الضُّعفاءِ بابًا
منَ الإحسَانِ محمودَ الخصالِ
وهبْنِي منْ عَطائكَ كُلَّ فضْلٍ
ويسِّرْ لي كريماتِ الفِعَالِ
وهبْني لليتيمِ وللحَزانى
وذي الإملاقِ والمِحَنِ التَوالي
وللمرضى على فُرش المشَافِي
ذوي الأناتِ من فرطِ اعتلالِ
وجُدْ يا ربِّ بالأفضَالِ غيثًا
منَ الألطاف والنِّعمِ العِجَالِ
أمرْتَ بسَابغِ الإنفَاقِ فامنُنْ
علينَا نُعْطِ يا مَولَى المَوالِي
فالصدقة هي زرع الخير الذي يجني الإنسان ثماره في الدنيا والآخرة.
وللصدقة أثر عظيم في تحقيق التكافل الاجتماعي، فهي تسهم في نشر المحبة بين الناس، وتقوية الروابط الإنسانية، وتخفيف معاناة الفقراء والمساكين. قال تعالى:
﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ﴾.
وقال الشاعر:
أحسنْ إلى الناسِ تستعبدْ قلوبَهُمُ
فطالما استعبدَ الإنسانَ إحسانُ
فالنفوس مفطورة على حب من يُحسن إليها.
ولا يقتصر أثر الصدقة على الدنيا فحسب، بل يمتد إلى الآخرة، حيث تكون سببًا في تفريج الكربات ومغفرة الذنوب، قال الله تعالى:
﴿إِن تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ ۖ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾.
ولهذا يحرص المسلمون في شهر رمضان، وخاصة في العشر الأواخر، على الإكثار من الصدقات طلبًا لرضا الله، وابتغاءً للأجر العظيم.
وفي الختام ، تبقى الصدقة في شهر رمضان من أجلِّ العبادات وأعظمها أثرًا ، فهي تزكي المال ، وتطهر القلوب ، وتنشر الخير بين الناس، وتجعل المجتمع أكثر تماسكًا ورحمة. وكما قال الشاعر:
تَوَكَّلتُ في رِزقي عَلى اللَهِ خالِقي
وَأَيقَنتُ أَنَّ اللَهَ لا شَكَّ رازِقي
وَما يَكُ مِن رِزقي فَلَيسَ يَفوتَني
وَلَو كانَ في قاعِ البِحارِ العَوامِقِ
سَيَأتي بِهِ اللَهُ العَظيمُ بِفَضلِهِ
وَلَو لَم يَكُن مِنّي اللِسانُ بِناطِقِ
فَفي أَيِّ شَيءٍ تَذهَبُ النَفسُ حَسرَةً
وَقَد قَسَمَ الرَحمَنُ رِزقَ الخَلائِقِ
فطوبى لمن جعل الصدقة نهجًا في حياته، وجعل شهر رمضان موسمًا للعطاء والخير.
