حين يستنزف العقل..الأستاذة/ نزهة صفي..تكتب: من يدق ناقوس الخطر؟

لسنا أمام ظاهرة عابرة ، ولا أمام توصيف إعلامي مبالغ فيه. نحن أمام إنهاك جماعي للعقل، يحدث في صمت، ويتمدد دون مقاومة تذكر.

في زمن السرعة المفرطة ، تحول التفكير العميق إلى عبء ، والقراءة إلى ترف ، والتحليل إلى فعل نادر. لم يعد العقل يدرب على الفهم ، بل على الاستهلاك ؛ ولم يعد يمنح الوقت للتأمل ، بل يدفعنا نحو التشتت الدائم.

ما يتداول اليوم تحت مسمى "تعفن الدماغ" ، ليس مرضا طبيا ، لكنه إنذار فكري خطير. إنذار يقول بوضوح: إن الطريقة التي نعيش بها علاقتنا مع المعلومة، والشاشة، والوقت، تضعف تدريجيا قدرتنا الحقيقية على التفكير المستقل.

لقد اعتدنا على المعلومة السريعة، والعنوان الصادم، والمحتوى السطحي، حتى بات العقل يرفض الجهد، ويستثقل العمق، ويبحث فقط عما هو سهل وسريع. والنتيجة: رأي بلا معرفة، ومواقف انفعالية بلا تحليل، ونقاشات عامة تخلو من التفكير الرصين.

و السؤال الجوهري: ماذا يحدث لعقولنا؟

المسؤولية هنا جماعية. منصات رقمية تراكم الأرباح على حساب الانتباه، محتوى يفرغ العقل بدل أن يغذيه، منظومات تعليمية ما تزال تكافئ الحفظ لا التفكير، وغياب شبه تام للتربية الإعلامية والنقدية.

هناك تدهور حقيقي في طريق اشتغال ادمغتنا حيث يحدث إرهاق ذهني مزمن و تشتت دائم في الأفكار و تشوش في الدماغ مع ضعف التركيز و عدم الصبر على القراءة، كل ذلك نتيجة الاستعمال المفرط للشاشات ، فالدماغ لا يتعفن لكن يتعب .

لسنا أقل ذكاء من الأجيال السابقة، لكننا نحن سواء عن وعي أو غير وعي،أقل تركيزا، أقل صبرا، وأقل قدرة على التحليل العميق. وهذا هو الخطر الحقيقي.

لسنا أمام "تعفن" بالمعنى الحرفي ، بل أمام إنذار فكري. إنذار يدعونا إلى مراجعة علاقتنا بالمعلومة، وبالشاشة، وبأنفسنا.
تعليقات