أثر المحتوى الرقمي للمؤثرين على تمثل القيم لدى الأبناء في الأسرة المعاصرة..جواد بولويحة

 

أثر المحتوى الرقمي للمؤثرين على تمثل القيم لدى الأبناء في الأسرة المعاصرة

جواد بولويحة

باحث سلك الدكتوراه، جامعة سيدي محمد بن عبد الله فاس المغرب

مقدمة:

يشهد العالم الرقمي المعاصر تصاعدا في تأثير ما يُعرف بـ"المؤثرين الرقميين"، الذين باتوا يشكلون مرجعًا غير رسمي للقيم والسلوك لدى فئة واسعة من الناشئة. إذ يتلقّى الأبناء عبر منصات التواصل محتوى متنوعًا لا يخضع غالبا لأي رقابة تربوية أو قيمية، مما يؤثر على تمثلاتهم للخير والنجاح والهوية والانتماء. في هذا السياق، تبرز إشكالية هذا البحث: إلى أي حد يؤثر محتوى المؤثرين الرقميين في بناء أو تشويش المنظومة القيمية لدى الأبناء؟ وما دور الأسرة في مواجهة هذا التأثير؟

أولا: طبيعة المحتوى الرقمي وأنماط التفاعل مع المؤثرين 

                يشكّل المحتوى الرقمي الذي يقدمه المؤثرون نافذة واسعة للتأثير في أنماط التفكير والقيم، خاصة لدى الفئات الناشئة. وتتعدد أشكال هذا المحتوى بين الترفيهي، والتعليمي، والتجاري، مما يخلق تفاعلاً متنوعاً بين المتلقي والمؤثر. هذا التفاعل لا يمر دون أثر، بل يسهم في إعادة تشكيل المرجعيات السلوكية والقيمية لدى الأبناء.

-          طبيعة المحتوى الرقمي: بين الجاذبية وضعف المعايير التربوية

                أصبحت المنصات الرقمية فضاء مفتوحا أمام المؤثرين لبث محتوى متنوع يغطي مجالات الترفيه، والتجميل، والتعليم، والسياسة، وغيرها. ويُلاحظ أن هذا المحتوى غالبًا ما يركّز على الجاذبية البصرية والانتشار السريع، على حساب القيم التربوية أو الرسائل الموجهة لتنمية التفكير والنقد أو تعزيز السلوك الإيجابي فبدل أن يُسهم هذا المحتوى في بناء وعي معرفي أو مجتمعي لدى المتابع، فإنه يسعى في الغالب إلى الإثارة، واللايكات، والمشاهدات، وهو ما ينعكس سلبًا على الفئات الشابة والأطفال الذين يفتقرون إلى حصانة فكرية وقيمية.

كما تؤكد الباحثة أشواق الحارثي أن معظم المحتوى الرقمي الذي يقدّمه المؤثرون يتميز بسطحية في الطرح وضعف في المسؤولية التربوية، معتبرةً أن هذا الانفصال بين "التأثير" و"القيمة" يفتح المجال أمام ترسيخ أنماط استهلاكية وفردانية قد تضعف البناء التربوي للأسرة، من جانب آخر، يشير تقرير CSG إلى أن الخوارزميات المستخدمة في المنصات الكبرى مثل TikTok وInstagram تُعزز المحتوى السطحي على حساب المحتوى العميق، وذلك لأنها مصممة لزيادة زمن المشاهدة بغضّ النظر عن مضمون المحتوى.

إن هذا الواقع يفرض تساؤلات حقيقية حول مدى قدرة المحتوى الرقمي الحالي على الإسهام في التربية والتنشئة، في ظل طغيان الصورة، والإثارة، والتقليد، على الجودة التربوية والفكرية. ويُصبح دور الأسرة والمؤسسات التعليمية أكثر إلحاحًا في مواكبة الأبناء وتوجيههم نحو وعي نقدي يفرز بين الجاذبية الفارغة والمحتوى البنّاء.

-          التفاعل مع المؤثرين: تقليد تلقائي وهيمنة على المرجعيات القيمية

                يتسم تفاعل الأطفال والمراهقين مع المؤثرين الرقميين بنوع من التلقائية والسلوك غير الواعي، حيث يُعاد إنتاج ما يُعرض في المنصات الاجتماعية من دون غربلة أو تمحيص، الأمر الذي يُحول المؤثرين إلى مرجعيات قيمية جديدة تنافس، بل تتجاوز أحياناً، أدوار الأسرة والمدرسة في التنشئة. ووفقًا لما توصلت إليه دراسة الحارثي فإن 72% من المراهقين الذين يتابعون المؤثرين يوميًا يعتبرونهم "قدوة" في أنماط اللباس والتحدث والتفكير، مما يُحدث "تحولًا تدريجيًا في منظومة القيم نحو الفردانية والتمرد الناعم على السلطة التربوية التقليدية"

وقد ساهمت خصائص المنصات الرقمية – مثل التفاعل الفوري، وإعادة النشر، والمحتوى القصير الجذاب – في تسهيل عملية التقليد، بحيث لا يُنظر إلى المؤثر بوصفه شخصية افتراضية فقط، بل كنموذج يُحتذى في الواقع. وتؤكد دراسة ميدانية أنجزها مركز الدراسات الاجتماعية بفاس أن حوالي 60% من التلاميذ المستجوبين يقلدون سلوكيات معينة شاهدوا المؤثرين يقومون بها، حتى دون اقتناع شخصي بها، مما يدل على قوة التأثير اللاشعوري.

ويزداد الأمر تعقيدًا حينما يُستبدل الحوار الأسري بالتفاعل الرقمي، إذ تصبح "الشاشة" الوسيط الأول في تشكيل المفاهيم والسلوكيات. وقد حذّر تقرير من أن الخوارزميات الذكية لا تُروّج فقط للمحتوى الرائج، بل تعيد إنتاجه داخل "فقاعات معرفية" تجعل الطفل أو المراهق محاطًا بخطاب واحد يُكرّس قيماً معينة، غالبًا ما تكون استهلاكية أو متمردة، دون مساحة للمقارنة أو النقد.

هذا الوضع يُضعف قدرة المؤسسات التربوية التقليدية على احتواء المتغيرات السلوكية لدى الأبناء، ويعيد طرح تساؤلات جوهرية حول من يُشكّل وعي الجيل الرقمي: هل هو البيت والمدرسة؟ أم الشاشة والمؤثر؟

ثانيا: التحولات القيمية والسلوكية لدى الأبناء 

                يتناول هذا المطلب أثر التفاعل المستمر مع محتوى المؤثرين على التحولات القيمية والسلوكية التي تطال الأبناء، حيث أدت المتابعة المكثفة إلى بروز أنماط جديدة من التفكير والسلوك، كالتمرد على السلطة الأسرية والانجذاب نحو التفاخر والسعي السريع نحو الشهرة، على حساب قيم الاجتهاد والانضباط. كما يُسلط المطلب الضوء على التوتر القيمي الذي يعيشه الأبناء نتيجة تصادم مرجعيتين: الأولى أسرية تقليدية تؤمن بالمسؤولية والانضباط، والثانية رقمية فردانية تروج للحرية المطلقة والانفلات من الضوابط، ما يخلق حالة من الازدواجية أو الصراع الداخلي لديهم.

-          أنماط سلوكية جديدة: التمرد، التفاخر، والسعي للشهرة

                 أدى التتبع المكثف لمحتوى المؤثرين على المنصات الرقمية إلى بروز تحولات سلوكية وقيمية واضحة لدى الأطفال والمراهقين، تمثلت أساسا في الميل نحو التمرد على السلطة الأسرية والتقليدية، والاندفاع نحو مظاهر التفاخر والاستهلاك، والسعي إلى الشهرة السريعة عوض الاجتهاد والتكوين المتدرج. وتظهر هذه التحولات في تراجع احترام الأبناء لتوجيهات الآباء أو المدرّسين، وتبنّيهم خطاباً مشبعاً بالرفض، تماشياً مع ما يشاهدونه من نماذج تقدم الحرية المطلقة كقيمة عليا.

                كما برزت مظاهر تفاخر غير متناسبة مع الواقع الاجتماعي للفرد، حيث يعمد العديد من المتابعين إلى محاكاة أسلوب حياة المؤثرين – من ملابس، وأجهزة، وأماكن – دون وعي بالبعد الإشهاري أو الوهمي لهذا المحتوى. وقد خلصت دراسة ميدانية أجراها مركز الدراسات القانونية والاجتماعية بفاس إلى أن 68% من المراهقين يُقرّون بتأثرهم بأسلوب الحياة الذي يعرضه المؤثرون، مع شعور بالضغط لمواكبته، ولو على حساب القيم الأسرية أو الإمكانيات الاقتصادية الواقعية.

                وتزداد الخطورة عندما ينظر إلى الشهرة الرقمية كبديل عن الكفاءة أو المثابرة، إذ أصبح "الظهور" معياراً للتقدير الاجتماعي، لا "التحصيل". وتشير تقارير إلى أن عدداً كبيراً من الشباب يطمح إلى أن يصبح "مؤثراً" لا لأنه يمتلك رسالة أو كفاءة، بل لأنه يرى في ذلك طريقاً سهلاً نحو الربح السريع والاعتراف المجتمعي، وهو ما قد يُضعف ثقافة العمل والانضباط على المدى الطويل.

هذا التحول في سلم القيم يُنذر بإعادة تشكيل العلاقات داخل الأسرة والمجتمع، حيث تتراجع قيمة القدوة التربوية التقليدية، لصالح نماذج رقمية عابرة للحدود الثقافية والرقابية.

-          تصادم القيم: بين المرجعية الأسرية والنموذج الرقمي الفرداني

تُسهم المتابعة المستمرة للمحتوى الرقمي، خاصة ذلك الذي يقدّمه المؤثرون، في خلق حالة من الارتباك القيمي لدى الأطفال والمراهقين. إذ يجد الأبناء أنفسهم في مواجهة مرجعيتين مختلفتين: الأولى، مرجعية أسرية تقليدية تقوم على الانضباط، الاحترام، والعمل التدريجي نحو تحقيق الذات، والثانية، مرجعية رقمية تمجد الحرية المطلقة، وتحفّز على الفردانية، والنجاح السريع، وغالباً دون مجهود يُذكر.

في هذا السياق، أظهرت دراسة ميدانية أجراها مركز البحوث الاجتماعية في جامعة القاهرة أن 64% من المراهقين يرون في المؤثرين نماذج ملهمة أكثر من الآباء أو المعلمين، وأنهم يميلون لتقليد أسلوب حياتهم، حتى لو تعارض مع ما يتلقونه من الأسرة. وهذا ما يعمّق فجوة التواصل بين الأجيال، ويُحدث خللاً في عملية التنشئة القيمية.

من جهة أخرى، يشير بعض الباحثين إلى أن القيم الرقمية التي تُروَّج عبر المنصات الاجتماعية – مثل التفاخر بالإنجازات الفردية، والتمرد على الأعراف، وتقديم المتعة الشخصية على أي التزام – تسهم في تآكل مرجعية القيم الجماعية ويؤكد " أن الثقافة الرقمية المعاصرة تُنتج نماذج سلوكية بديلة تطغى تدريجياً على القيم التقليدية، خاصة في المجتمعات التي تشهد ضعفاً في التواصل الأسري أو غياباً للرقابة التربوية.

هذا التصادم بين المرجعيتين لا يؤدي فقط إلى خلل في السلوك، بل يُهدد بانفصال وجداني بين الأبناء وأسرهم، حيث يشعر المراهق بأن الأسرة لا تفهم طموحاته أو اهتماماته، فينزع إلى النموذج الرقمي الأقرب إلى تمثلاته عن "النجاح" و"الحرية". هنا تبرز إشكالية عميقة: هل يمكن للأسرة أن تُعيد بناء سلطتها القيمية؟ وكيف يمكن التوفيق بين القيم الرقمية الحديثة والقيم التربوية التقليدية؟

إن تفادي هذا التصادم يتطلب وعياً أسرياً متجدداً، وتطوير خطاب تربوي رقمي مواكب، يتيح للأبناء فهم الفوارق بين الحرية المسؤولة والانفلات، وبين النجاح الحقيقي والنجاح المزيف الذي يبنى على "الترند" و"المشاهدات".

ختامًا، يتضح أن المحتوى الرقمي الذي يقدمه المؤثرون لا يقتصر على الترفيه أو التسويق، بل أصبح أداة قوية لإعادة تشكيل تمثل القيم لدى الأبناء داخل الأسرة المعاصرة. فقد ساهم هذا المحتوى في بروز تحولات ملموسة على مستوى السلوكيات والتصورات القيمية، في ظل تراجع دور المرجعيات التقليدية. الأمر الذي يستدعي من الأسر، والمؤسسات التربوية والدينية، تبني مقاربات استباقية تقوم على المصاحبة الواعية، والتربية الرقمية، وتعزيز المناعة الفكرية والقيمية، لحماية الناشئة من الانجراف خلف نماذج لا تتماشى مع هوية المجتمع وقيمه.

المراجع:

-       بوسنة، المحتوى الرقمي وتحديات القيم الأسرية. مجلة الدراسات القانونية، 2005

-       بنعبد الله، سعيد، تأثير محتوى المؤثرين على منظومة القيم لدى المراهقين في المغرب. الرباط: المركز المغربي للدراسات الاجتماعية،2023

-       الحارثي، أشواق. التأثير الرقمي على القيم التربوية في المجتمعات الخليجية. الرياض: جامعة نايف، 2017

-       بوسنة، سعاد. الشبكات الاجتماعية والتحولات القيمية لدى المراهق المغربي. مجلة الدراسات القانونية والاجتماعية، العدد 12، 2015

-       عواد، س. وسائط الإعلام وتشكيل القيم الأسرية. دار الفكر، 2022

-       مركز البحوث الاجتماعية – جامعة القاهرة. (2021). تأثير الإعلام الرقمي على سلوك المراهقين.

-              Bourdieu, P. (1998). On Television. New Press,

-              Castells, M. (2010). The Rise of the Network Society. Wiley-Blackwell. - Castells, M. (2010). The Rise of the Network Society. Wiley-Blackwell.

-              CSG South. (2025). From Likes to Laws: Understanding Influencer Accountability. Atlanta: CSG Publications.

 

 

تعليقات