ما أشجعنا على اقتحام هذه الحياة ، ما أقوانا على تمزيق صمتها بصرخة مدوية منذ الوهلة الأولى التي يلامس فيها الهواء رئتينا. حقا مغامرة و مخاطرة فريدة من نوعها ، نأتي دون أن نعلم مع من سنكمل أيامنا ، رجل و امرأة ، أب وأم ، لا نعلم عنهما شيئا لكننا مضطرين لقبول الأمر الواقع ، لتقبل عيش الحياة بكل تفاصيلها معهم ، حياة تعج بالمفاجآت و العجائب ، لكننا نأتي و دون حول لنا و لا قوة نخوضها ، بل و نفرض إرادتنا إلى أن يشتد عودنا. و مع ذلك نقبل و لا نعلم و لا نفهم. لكننا نتشبث و نصر على البقاء ، نصر على إثبات وجودنا . أحيانا مع من بفهمنا و يحتضن ضعفنا ، وأحيانا أخرى مع أناس نخالهم أعداءنا ، لكننا مرغمون على العيش معهم وتقبل أوامرهم وطاعتها. كل ذلك وليس لنا مفر ولا مهرب مما أقبلنا عليه. فقد اخترنا هذا التحدي والمخاطرة.
يأتي العديد منا في نفس اليوم و منا من يكمل المسيرة و منا من ينسحب دون رؤية النور الأول . و من اختار خوض التجربة و الاختبار ، يمشي في تعثر ، و منهم من يمشي و قد استقام الطريق له دون تعب ، و من يعافر و يكافح و كأن العالم انحاز ضده ، هناك من يستسلم من العثرة الأولى ، و من يبقى مصرا مثابرا لا ينام له جفن إلا بعد أن يصل إلى غرضه ومبتغاه.
إنها حقا أخطر و أجمل مغامرة نخوضها و نحن في قمة ضعفنا ، حتى و نحن في عنفوان العمر نبقى ضعفاء . لكننا نستقوي بالقوي الجبار ، و نستعين به ، وما خاب و ما يخيب من يتمسك بالقوي العزيز . هكذا نأتي و نكافح و نجاهد في هذه المدرسة التي لا تمنحنا مقررا ولا خطة معينة نمشي عليها ، بل نحن من يكتب الدروس بعد النهوض من كل كبوة نتعرض لها . كل المدارس تمنحنا المناهج قبل خوض الامتحان ، كي نشتغل عليها و نحفظها ، لكن مدرسة الحياة تتركنا نحن من يجمع الدروس و الخطط و يرتبها ، يمشي عليها و بعلمها لغيره ، لمن لا يستطيع ذلك بنفسه.
ما أحلاها رحلة وما أخطرها ، وبعد أن يأتي موعد الرحيل دون سابق إنذار كما حدث مع موعد القدوم ، نغادر في صمت ، و لا يبقى منا إلا بصمات و آثار نتركها ، فطوبى لمن نجح في رسم الأثر الجميل حتى بعد رحيله ، يبقي اسمه خالدا بين الورى بما تركه في قلوبهم من خير و بركة و سلام و محبة.
الرحلة العجيبة..بقلم المبدعة المغربية دكتورة/ نجية الشياظمي
تعليقات
