الزَّمَن لا يمرُّ ما يمرُّ هُمُ الناس..الكاتبة: إيالاڤيا لاڤينيا

فعلياً .. الزمنُ لا يمرُّ ما يمرُّ هُمُ الناس __

فحينَ نتأمل مسار الوجود الإنساني وتصارع الأيام نكتشف تدريجيا أن الساعات والأيام والشهور والسنوات ليستْ سوىٰ مفاهيم هندسية صماء تدور في فلكها المُطلق دون غاية أو شعور وكأنها مرآة ساكنة لا تعكسُ سوىٰ ما يُلقىٰ أمامها فالزمان في ذاته بحر لجيّ بلا موج وبلا ضفاف ثابت لا يتسارع ولا يتباطأ ولا يشير إلىٰ شيخوخة الكون أو شبابه إنما الذي يتحرك ويتغير ويهتز هو نحنُ البشر الذين نمرُّ عبر هذا الباب الواسع فنترك بصماتنا ونتبدل في ملامحنا وقرارنا ونحترق بنيران الشوق والألم والأسئلة وحينَ يقولها الشعراء؛
العبارة الخالدة إن الزمن لا يمر بل هم الناس فهم يلامسُونَ الحقيقة الجوهرية للوجود حيثُ نظن واهمين أن العجلة تدور بنا بينما العجلة ثابتة في محورها الأزلي ونحنُ الذين نسير علىٰ أديمها نركضُ خلفَ أوهامنا ونقيسُ أعمارنا بتگاتِ عقارب الساعة وهي في الحقيقة مُجردَّ أصداء لقلوبنا المُضطربة التي تنبض بالحياة ثم تخبو رويداً رويداً فالكون لم يتقدم يوماً خطوة واحدة بمعزل عَنْ وعينا ولم يتقدم التاريخ إلا بمقدار ما يكتبهُ الدمع والدم والضحكات علىٰ جدران الذاكرة والناس هم السفر الذي يكتب نفسه بأنفسهم وهم الشاهد والمشهد وهم الغريب الذي يطرق الباب والبيت الذي ينهار فمنذ بدء الخلق والكون يسبح في سكونه المُهيب بينما يتصارع الإنسان علىٰ حُطام الأيام مُتخذاً مِنْ وهم الزمن شماعة يُعلق عليها عجزه وخوفه مِنْ الزوال وكأن الأيام هي الجاني
فهي ليستْ سوىٰ الوعاء الذي نسكبُ فيه خيباتنا وأفراحنا وفي هذا المشهد الطويل المُمتد مِنْ المهد إلىٰ اللحد تتبدل الأجيال وتتوالىٰ الوجوه ويظن كل جيل أنه بلغ ذروة المعرفة وأن زمانه هو الزمان الحق وكأن السنين تتكفل بتغيير العالم بينما العالم نفسه لا يتغير بل يتغير الناظرون إليه وتتغير قلوبهم التي كانت خضراء فأصفرت أو كانتْ خاشعة فقست وإن التغير الحقيقي لا يحدث في تبدل الفصول ولا في تعاقب الليل والنهار بل في هذا التحول الخفي العميق الذي يصيب الروح الإنسانية وهي تعبر الجسر الرفيع بينَ العدم والوجود فالطفل الذي كان يطارد الفراشات والشيخ الذي يتسند إلىٰ عصاه هما شخص واحد في وعي الزمن المطلق الذي لا يعرف الماضي ولا المستقبل بل يعيش في دائم الحضور والأناقة الأبدية بينما الإنسان هو وحده الذي يتمزق بين أمل كاذب وحنين لا يرحم وحسرة علىٰ ما فات وكأن الزمن عدو لدود يتربص به ليقطف زهرة شبابه وما هو بعدو وإنما هو مرآة صافية تكشف للإنسان عورات روحهُ وهشاشته ومحدودية أيامه حينَ يرىٰ تجاعيد وجهه فيظن أن السنوات قد سرقته وما سرقته إلا أفعاله وأفكاره وهمومه التي نحتت فيه آمارها فلو أن الناس توقفوا عَنْ التفكير والركض والتوتر ولو أنهم تخلوا عَنْ طموحاتهم العمياء وكراهيتهم وحروبهم وعاشوا في سلام مُطلق مع ذواتهم لأكتشفوا أن الزمن يتوقف عن الجريان وأن الساعات تفقد معانيها القاسية وتذوب في لجج الخلود فالأزمنة كلها زمان واحد هو الآن ولا وجود لشيء أسمه الأمس البعيد أو الغد المنتظر إلا في عقولنا المُضطربة التي تعشق التعقيد والهرب مِنْ الحقيقة البسيطة المُتمثلة في أننا وحدنا الكائنات المتحركة في عالم ساكن وأننا وحدنا الذين نمرُ بينما يبقي الزمن شاهداً صامتاً لا يتكلم ولا يشهد علىٰ شيء سوىٰ عبثنا الجميل وتخبطنا الحزين في مهاوي الوجود فكلما تقدم الإنسان في العمر ظن أن الزمن قد أسرع في خطوه وكلما صغر ظن أن الأيام بطيئة وثقيلة مع أن الساعة هي الساعة والدقيقة هي الدقيقة ولكن القلب البشري هو الذي يتسع لآلام العالم فيبدو له الوقت طويلاً كالأبدية أو ينقبض فيحس بأن العمر قد إنقضىٰ في طرفة عين وهذا التباين المذهل في إدراك الزمن دليل قاطع على أنه وهم نسبي بحت وأن حقيقة الأمر تكمن فينا نحنُ في نبضاتنا وأضطراباتنا وفي كيفية تلقينا لضربات القدر وهبات الحياة فالناس هم الذين يولدون ويموتون وهم الذين يضحكون ويبكون وهم الذين يبنون المُدن ويهدمونها وهم الذين يكتبون القصائد ويثيرون الحروب والزمن بريء من كل هذا العبث البشري فهو لا يشجع ظالماً ولا ينصر مظلوماً بل يمضي في هدوئه المطلق تاركاً للبشر حرية إختيار مصائرهم وطرائق مرورهم في هذا الممر العابر وحينَ يتأمل الإنسان نهايته القريبة أو البعيدة ويقف على عتبة الوداع يدرك يقيناً أن الأيام التي حسبها طويلة لم تكن سوى لحظات ومضة بصر وأن الذي مضى لم يكن الزمن بل هو شبابه وعمره وأحباؤه الذين غادروا تباعاً وبقي هو وحيداً يعيد سرد الحكاية علىٰ جدران الغرفة الخاوية ليكتشف في النهاية أن مقولة أن الزمن لا يمر بل هم الناس هي خلاصة الحكمة الإنسانية وأصدق تعبير عن مأساة الوجود وجماله في آن واحد.

تعليقات