الأستاذة نزهة صفي تكتب: حين تصبح الكتابة امتدادا للعمل الجمعوي

لم أبدأ الكتابة لأنني كنت أبحث عن لقب «كاتبة»، ولم تكن بالنسبة إلي مجرد هواية أو وسيلة لملء الصفحات. مع مرور السنوات، ومن خلال تجربتي في العمل الجمعوي، أصبحت الكتابة بالنسبة إلي امتدادا طبيعيا لما أعيشه في الميدان، وما أسمعه من الناس، وما تتركه بعض القضايا في نفسي من أسئلة وتأملات.

فالعمل الجمعوي علمني أن القضايا الاجتماعية لا يتم فهمها من بعيد، وأن وراء كل قضية إنسانا وحكاية وتجربة تستحق أن نقترب منها بوعي ومسؤولية.
حين اشتغلت على مبادرة «نساء من أجل التعايش والتسامح»، ازداد إيماني بأن التعايش ليس مجرد شعار نردده، وإنما ثقافة تحتاج إلى ترسيخها في حياتنا اليومية؛ ثقافة تقوم على قبول الاختلاف، واحترام الآخر، ونبذ الإقصاء والكراهية. مثل هذه التجارب تجعلني أشعر بأن هناك أفكارا لا ينبغي أن تبقى حبيسة النشاط، بل تستحق أن تتحول إلى كتابة تفتح باب النقاش.
وفي مبادرة «معا للحد من تشغيل الأطفال»، وجدت نفسي أمام قضية أكثر من كونها موضوعا لحملة تحسيسية. فالطفل الذي يحرم من حقه في التعليم أو يجد نفسه في سن مبكرة داخل سوق الشغل، ليس مجرد رقم في إحصائية، وإنما إنسان له طفولة وحق في الحماية والتعليم والحلم بمستقبل أفضل.
أما الحملات التحسيسية التي قمنا بها داخل المؤسسات التعليمية حول العنف المدرسي، والإدمان على المخدرات، والضغوطات النفسية التي يعيشها التلاميذ، فقد جعلتني أقترب أكثر من عالم الأطفال والشباب، وأدرك أن بعض المشكلات التي نراها على السطح تخفي خلفها احتياجات نفسية واجتماعية عميقة.
هذه التجارب وغيرها جعلتني أكتشف أن العمل الجمعوي يمنح الإنسان فرصة نادرة: أن يرى المجتمع من الداخل و أن يستمع إلى الناس، أن يقترب من انشغالاتهم، أن يلمس بعض معاناتهم، وأن يشارك في مبادرات صغيرة قد لا تغير العالم دفعة واحدة، لكنها قد تغيّر شيئا في حياة إنسان واحد.
ومن هنا جاءت علاقتي بالكتابة.
فإذا كان العمل الجمعوي يضعني أمام الواقع، فإن الكتابة تمنحني فرصة للتوقف أمام هذا الواقع والتفكير فيه. الميدان يقدم لي التجربة، والكتابة تساعدني على تحويلها إلى فكرة وسؤال ونقاش.
ولذلك لا أرى الكتابة منفصلة عن العمل الجمعوي. كلاهما بالنسبة إلي وسيلتان للمشاركة، وإن اختلفت الأدوات.
في الميدان أشارك بالفعل والمبادرة، وبالقلم أشارك بالفكرة والكلمة.
وأحيانا يكون للكلمة أثر لا يقل أهمية عن أي نشاط؛ لأنها قد تجعل شخصا ينتبه إلى قضية لم يكن يفكر فيها، أو تعيد طرح سؤال اعتقدنا أننا نعرف إجابته، أو تفتح نقاشا حول مشكلة اعتاد المجتمع الصمت عنها.
فالكتابة في نظري مسؤولية، خصوصا عندما تكون مرتبطة بقضايا المجتمع. والكلمة التي تتناول الطفل، أو المرأة، أو الشباب، أو العنف، أو المخدرات، أو الضغوط النفسية، لا ينبغي أن تكون مجرد كلام عابر، لأنها تتعلق بأشخاص وتجارب حقيقية
وأكتب لأنني أؤمن أن العمل الجمعوي لا ينتهي بانتهاء النشاط؛ فقد ينتهي اللقاء، وتطوى اللافتات، وتلتقط الصور، لكن الفكرة التي تركها النشاط فينا يمكن أن تستمر من خلال كلمة، أو مقال، أو نقاش.
وهكذا أصبحت الكتابة بالنسبة إلي شكلا آخر من أشكال العمل الجمعوي
في الميدان نحاول أن نسهم في التغيير بالفعل، وبالقلم نحاول أن نسهم في التغيير بالوعي.

تعليقات