كلما وقعت أزمة اقتصادية كبرى، عاد السؤال من جديد: هل انتهى عصر الليبرالية الجديدة؟ وهل أثبتت الأحداث أن ترك الأسواق لقواها الذاتية لم يعد قادرًا على إدارة الاقتصاد العالمي؟ بدا السؤال منطقيًا بعد الأزمة المالية العالمية في عام 2008، ثم عاد بقوة بعد أزمة كورونا، ثم بعد موجات التضخم وارتفاع الديون والحروب التجارية واضطراب سلاسل الإمداد التي شهدها العالم خلال السنوات الأخيرة. فهذه الأحداث كلها بدت في ظاهرها وكأنها تقدم دليلًا متكررًا على حدود النموذج الذي يقوم على تحرير الأسواق وتقليص القيود الحكومية وفتح التجارة ورأس المال أمام حركة أوسع. ومع ذلك، فإن المفاجأة أن الليبرالية الجديدة لم تختفِ. لقد تراجعت بعض شعاراتها، وتغيرت بعض أدواتها، وتخلت الحكومات عن بعض افتراضاتها القديمة، لكن جوهرًا مهمًا منها ظل حاضرًا في بنية الاقتصاد العالمي. وربما يكون الخطأ الأساسي في توقع سقوطها هو أننا تعاملنا معها باعتبارها مجموعة محددة من السياسات يمكن إلغاؤها بقرار سياسي، بينما هي في الحقيقة أصبحت خلال العقود الماضية شبكة واسعة من المؤسسات والقواعد والأفكار والمصالح التي أعادت تشكيل طريقة عمل الاقتصاد العالمي، وأصبحت قادرة على التكيف مع الأزمات بدلًا من السقوط معها.
الليبرالية الجديدة..لماذا لم تسقط؟ وهل أصبحت أكثر شراسة؟..د/ محمد حسن يوسف
ولفهم قدرة الليبرالية الجديدة على البقاء، علينا أولًا أن نميز بينها وبين الليبرالية الاقتصادية الكلاسيكية. فالمسألة لم تكن مجرد العودة إلى أفكار آدم سميث حول حرية التجارة والمنافسة، وإنما ظهور مشروع فكري وسياسي أكثر تنظيمًا في القرن العشرين، ارتبط بأسماء مثل فريدريش هايك وميلتون فريدمان، ثم تطور من خلال مدرسة شيكاغو ومدرسة الاختيار العام وغيرها من التيارات التي شككت في قدرة الدولة على إدارة الاقتصاد بكفاءة، وحذرت من اتساع القطاع العام ومن تدخل السياسيين في تخصيص الموارد. وفي هذا الإطار لم تكن السوق مجرد وسيلة لتحديد الأسعار، وإنما أصبحت آلية اعتُبرت أكثر قدرة من البيروقراطية الحكومية على جمع المعلومات واتخاذ القرارات الاقتصادية. ومع الوقت انتقلت هذه الأفكار من الجامعات ومراكز البحث إلى المؤسسات السياسية والمالية، ثم إلى صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية، وإلى سياسات الخصخصة والتحرير المالي والتجاري وإزالة القيود على حركة رأس المال. وهنا حدث التحول المهم: لم تعد الليبرالية الجديدة مجرد نظرية اقتصادية يتبناها بعض الاقتصاديين، وإنما تحولت إلى إطار مؤسسي دولي يجعل الخروج الكامل عنها أكثر صعوبة، لأن الدولة التي تريد الانحراف بصورة كبيرة عن قواعدها تجد نفسها أمام أسواق مالية دولية، واتفاقيات تجارية، ومؤسسات تمويل، ومستثمرين عالميين، وسلاسل إنتاج عابرة للحدود، وكلها تفرض قيودًا عملية على هامش الحركة المتاح أمام الحكومات.
ثم جاءت القوة الثانية التي ساعدت الليبرالية الجديدة على البقاء، وهي أنها لم تعتمد فقط على قوة الأفكار، وإنما بنت حولها شبكة من المصالح الاقتصادية والسياسية. فالخصخصة، وتحرير التجارة، وفتح الأسواق، وتحرير حركة رأس المال، لم تكن مجرد سياسات محايدة يستفيد منها الجميع بالقدر نفسه، وإنما خلقت فائزين وخاسرين. وقد استفادت قطاعات واسعة من الشركات متعددة الجنسيات والمؤسسات المالية والمستثمرين وأصحاب رأس المال المتحرك عالميًا من اتساع الأسواق وانخفاض القيود أمام حركة الأموال والسلع والخدمات. وفي المقابل نشأت طبقات مهنية ومؤسسات استشارية ومراكز أبحاث وخبرات قانونية ومالية أصبحت مصالحها ونجاحها المهني مرتبطة بهذا النموذج. ولذلك فإن استمرار الليبرالية الجديدة لا يمكن تفسيره بالأفكار وحدها؛ فالأفكار عندما تتحول إلى مؤسسات ومصالح تصبح أكثر مقاومة للتغيير. وهذا أحد التفسيرات المهمة في الاقتصاد السياسي لبقاء النظم الاقتصادية؛ فالنظام لا يستمر فقط لأنه مقنع فكريًا، وإنما لأنه يخلق حوله تحالفًا من المستفيدين القادرين على الدفاع عنه وإعادة إنتاجه.
أما العامل الثالث، وربما الأكثر أهمية، فهو غياب البديل المقنع. فقد كانت الليبرالية الجديدة تتمدد في عالم توجد فيه بالفعل أنظمة اقتصادية منافسة، لكنها اكتسبت قوة هائلة بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وسقوط معظم الاقتصادات الاشتراكية في أوروبا الشرقية. وفي التسعينيات بدا وكأن العالم قد وصل إلى إجماع واسع على أن اقتصاد السوق هو النموذج الذي لا بديل عنه، حتى إن بعض المفكرين ذهبوا إلى الحديث عن "نهاية التاريخ". ولم تكن هذه اللحظة مجرد انتصار اقتصادي للولايات المتحدة، وإنما كانت انتصارًا فكريًا أيضًا؛ فقد أصبحت الرأسمالية القائمة على الأسواق المفتوحة والمنافسة والملكية الخاصة تبدو وكأنها النهاية الطبيعية لتطور النظم الاقتصادية. صحيح أن الصين قدمت لاحقًا نموذجًا مختلفًا، وصحيح أن دولًا كثيرة بدأت تعيد التفكير في بعض وصفات الليبرالية الجديدة، لكن البديل العالمي المتكامل الذي يستطيع أن يحل محل النظام القائم لم يظهر حتى الآن. ولذلك فإن أحد أسباب بقاء الليبرالية الجديدة ليس أنها أقنعت الجميع بأنها مثالية، وإنما أن منتقديها لم يستطيعوا حتى الآن تقديم نموذج بديل يحظى بالقوة والانتشار نفسيهما.
لكن المفارقة الكبرى بدأت تظهر عندما تعرضت الرأسمالية لأزماتها الكبرى. فقد كان من المتوقع أن تؤدي الأزمة المالية العالمية إلى نهاية عصر تحرير الأسواق، لكنها أدت بدلًا من ذلك إلى إعادة تنظيمه. تدخلت الحكومات لإنقاذ المؤسسات المالية، وتدخلت البنوك المركزية بضخ السيولة وخفض أسعار الفائدة وشراء الأصول، لكن هذه التدخلات لم تؤد إلى إلغاء اقتصاد السوق، وإنما إلى إنقاذه. ثم جاءت جائحة كورونا، فأنفقت الحكومات تريليونات الدولارات لحماية الشركات والعمال والأسر، وأصبحت الدولة أكثر حضورًا في الاقتصاد من أي وقت مضى. وبعد ذلك، عندما ارتفع التضخم، عادت البنوك المركزية إلى رفع أسعار الفائدة وتشديد السياسة النقدية. وهنا تظهر قدرة الليبرالية الجديدة على التكيف بصورة واضحة؛ فهي لم تعد تعني ببساطة "اترك السوق يعمل ودع الدولة تنسحب"، وإنما أصبحت أكثر مرونة: عندما يعمل السوق، اتركه يعمل؛ وعندما ينهار السوق، تدخل الدولة لإنقاذه؛ وبعد أن يستقر، تعود مرة أخرى إلى ضبط الإنفاق والتضخم والدين وإعادة السوق إلى موقعه الأساسي. وبذلك لم يكن تدخل الدولة في أزمات 2008 وكورونا دليلًا حاسمًا على موت الليبرالية الجديدة، بل يمكن النظر إليه باعتباره أحد أشكال حماية النظام السوقي من الانهيار.
ومن هنا نصل إلى السؤال الأكثر إثارة: هل أصبحت الليبرالية الجديدة أكثر شراسة؟ الإجابة تحتاج إلى قدر من الدقة. فهي بالتأكيد أصبحت أكثر شراسة في بعض المجالات، لكنها أصبحت أقل نقاءً من الناحية النظرية. فقد تراجعت فكرة أن الدولة يجب أن تنسحب تمامًا من الاقتصاد، وحلت محلها فكرة أكثر براغماتية ترى أن الدولة يمكن أن تتدخل عندما يكون تدخلها في خدمة استقرار السوق أو حماية القدرة التنافسية للاقتصاد. وأصبحنا نرى الحكومات تدعم الصناعات الاستراتيجية، وتمول التكنولوجيا، وتحمي الشركات المحلية، وتستخدم السياسة التجارية لتحقيق أهداف جيوسياسية، وتفرض عقوبات اقتصادية، وتعيد تشكيل سلاسل الإمداد. وهذا يبدو للوهلة الأولى عكس الليبرالية الجديدة، لكنه لا يعني بالضرورة نهاية منطق السوق؛ ففي كثير من الحالات لا تهدف الدولة إلى استبدال السوق، وإنما إلى إعادة تصميم البيئة التي يعمل داخلها السوق بما يخدم أهدافها الاقتصادية والاستراتيجية. ولذلك يمكن القول إن الليبرالية الجديدة أصبحت أقل إيمانًا بفكرة "الدولة الصغيرة" وأكثر اهتمامًا بفكرة "الدولة التي تصنع السوق وتضمن استمراره".
بل إن التطور الأخطر ربما يتمثل في انتقال بعض مبادئ السوق من الاقتصاد إلى مجالات الحياة نفسها. فقد أصبحت مفاهيم مثل الكفاءة والإنتاجية والمنافسة والتقييم والأداء والمردود الاقتصادي حاضرة بقوة في التعليم والصحة والعمل والخدمات العامة، وأصبح الإنسان في كثير من البيئات الاقتصادية ينظر إلى نفسه باعتباره مشروعًا يجب أن يستثمر في مهاراته ويزيد إنتاجيته ويحسن قيمته في سوق العمل. ولم تعد المنافسة مقتصرة على الشركات؛ فالجامعات تتنافس، والموظفون يتنافسون، والمدن والدول تتنافس على الاستثمارات والمواهب ورؤوس الأموال. وفي هذه النقطة تحديدًا تبدو الليبرالية الجديدة أكثر عمقًا مما كانت عليه في بداياتها؛ لأنها لم تعد مجرد سياسة اقتصادية، وإنما أصبحت في بعض المجتمعات طريقة في التفكير في الدولة والمؤسسة والعمل وحتى الإنسان نفسه. ومن هنا يمكن فهم لماذا يصعب إسقاطها بمجرد تغيير حكومة أو تعديل قانون؛ فالأفكار التي تتغلغل في المؤسسات وفي السلوك الاجتماعي تصبح أكثر رسوخًا من السياسات التي يمكن إلغاؤها بقرار سياسي.
ومع ذلك، فإن القول ببقاء الليبرالية الجديدة لا يعني أنها خرجت من أزماتها منتصرة بلا خسائر. فقد كشفت السنوات الأخيرة حدودًا واضحة للنموذج: اتساع فجوات الدخول والثروة في كثير من المجتمعات، وتزايد الشعور بعدم الأمان الوظيفي، وارتفاع أعباء الدين، ومخاطر التركّز المالي، وعودة النزعة الحمائية، وتراجع الثقة في بعض المؤسسات الدولية، وظهور سؤال أكثر إلحاحًا حول من يتحمل تكلفة إنقاذ النظام عندما يقع في أزمة. والأهم أن الدولة التي طُلب منها طوال عقود تقليص حضورها أصبحت اليوم مطالبة بالتدخل في كل شيء تقريبًا: إنقاذ البنوك، حماية الطاقة، دعم الصناعات، حماية سلاسل الإمداد، مواجهة البطالة، تمويل التكنولوجيا، والتعامل مع آثار الأزمات الصحية والجيوسياسية. ولذلك فإن التناقض الذي تواجهه الليبرالية الجديدة اليوم ليس أنها اختفت، وإنما أنها أصبحت تعتمد بصورة متزايدة على الدولة التي كانت تنظر إليها تقليديًا بعين الشك. وهذا التناقض قد يكون أهم نقطة ضعف في صورتها الحالية؛ فكلما احتاج السوق إلى الدولة بصورة أكبر، أصبح من الصعب إقناع المجتمعات بأن الدولة يجب أن تظل محدودة الدور.
ومع ذلك كله، يبدو أن الليبرالية الجديدة تمتلك خاصية نادرة لدى النظم الفكرية والاقتصادية، وهي قدرتها على امتصاص النقد وإعادة صياغة نفسها. فقد استوعبت قدرًا من أفكار كينز دون أن تتحول إلى كينزية كاملة، واستوعبت التنظيم المالي دون أن تتخلى عن الأسواق، وقبلت تدخل الدولة الصناعي عندما فرضت المنافسة العالمية ذلك، واستفادت من التكنولوجيا لتوسيع نطاق الأسواق، وأعادت تعريف العلاقة بين الدولة والقطاع الخاص بدلًا من الإصرار على الفصل الصارم بينهما. ولهذا فإن الحديث عن "سقوط الليبرالية الجديدة" ربما يكون أقل دقة من الحديث عن تحولها. إنها لم تعد الليبرالية الجديدة التي عرفناها في الثمانينيات والتسعينيات، لكنها لم تتحول أيضًا إلى نظام اقتصادي جديد بالكامل. لقد أصبحت أكثر براغماتية، وأكثر قدرة على استخدام الدولة، وأكثر ارتباطًا بالتمويل والتكنولوجيا والاقتصاد العالمي، وربما أكثر قسوة في بعض جوانبها لأنها لم تعد تكتفي بترك السوق يعمل، وإنما أصبحت قادرة على توظيف قوة الدولة نفسها في إعادة تشكيل الأسواق بما يخدم مصالح اقتصادية واستراتيجية محددة.
وهكذا فإن السؤال الحقيقي الذي يفرض نفسه اليوم ليس: "هل ماتت الليبرالية الجديدة؟"، وإنما: "ماذا أصبحت؟". فالتاريخ الاقتصادي لا يقدم لنا نظامًا بقي ثابتًا مئات السنين، وإنما أنظمة تتغير تحت ضغط الأزمات ثم تعود في صورة جديدة. والليبرالية الجديدة تبدو اليوم مثالًا واضحًا على هذه القاعدة؛ فقد بدأت كدعوة إلى تحرير الأسواق وتقليص الدولة، ثم تحولت إلى منظومة عالمية من القواعد والمؤسسات والمصالح، ثم تعرضت لأزمات كبرى، ثم عادت بعد كل أزمة وهي تحمل معها أدوات جديدة للبقاء. وربما لهذا السبب تبدو اليوم أكثر شراسة في بعض جوانبها، لا لأنها أصبحت أكثر تطرفًا في الدعوة إلى انسحاب الدولة، وإنما لأنها أصبحت أكثر قدرة على استخدام الدولة والسوق والمال والتكنولوجيا والقواعد الدولية معًا لتحقيق غاياتها. وإذا كانت الرأسمالية قد تعلمت خلال تاريخها كيف تنجو من أزماتها، فإن الليبرالية الجديدة تعلمت شيئًا أكثر أهمية: كيف تتغير دون أن تعترف بأنها تغيرت. وربما يكون هذا هو سر بقائها الحقيقي حتى الآن.
تعليقات
