هل انتهت الكينزية؟ أم أن الحكومات استهلكت قدرتها على الإنقاذ؟..الدكتور محمد حسن يوسف،خبير التطوير الإداري والمؤسسي

عندما ضربت الأزمات الاقتصادية العالم خلال العقود الأخيرة، لجأت الحكومات إلى الوصفة الكينزية القديمة: أنفق أكثر، اقترض أكثر، وأنقذ الطلب قبل أن يسقط الاقتصاد في الركود. حدث ذلك بعد الأزمة المالية العالمية، ثم بصورة أكبر أثناء جائحة كورونا، ثم مع تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية. وقد نجحت هذه السياسة في منع انهيارات اقتصادية أعمق، لكن المشكلة أن علاج الأزمات ترك وراءه جبالًا من الديون. وهنا بدأ السؤال الصعب: ماذا يحدث عندما تحتاج الدولة إلى إنفاق جديد لإنقاذ الاقتصاد، بينما أصبحت موازنتها نفسها مثقلة بالديون؟ المشكلة أن التحفيز المالي لا يعمل بنفس القوة في كل الظروف. فإذا أنفقت الحكومة اليوم بينما تتوقع الأسر والشركات أن هذا الإنفاق سيؤدي غدًا إلى ضرائب أعلى، فقد تفضل الادخار بدلًا من الإنفاق. وإذا أدى الاقتراض الحكومي المتزايد إلى فقدان ثقة الأسواق، ارتفعت عوائد السندات وتكلفة الاقتراض، وقد يتراجع الاستثمار الخاص. ثم يأتي البنك المركزي، فإذا كان التضخم مرتفعًا، قد يضطر إلى رفع أسعار الفائدة لمواجهة أثر الإنفاق الحكومي. وهكذا يمكن أن يحدث شيء يبدو متناقضًا: الحكومة تضخ الأموال لتحريك الاقتصاد، بينما تقوم الأسر والأسواق والبنك المركزي بامتصاص جزء كبير من هذا الأثر. وهذا لا يعني أن التقشف أصبح الحل، أو أن الدولة يجب أن تنسحب من الاقتصاد. المسألة أكثر تعقيدًا. فالاقتراض لتمويل طريق جديد، أو بنية أساسية، أو تعليم، أو تكنولوجيا، أو مشروع يرفع إنتاجية الاقتصاد، يختلف تمامًا عن الاقتراض المستمر لتمويل استهلاك لا يخلق قدرة إنتاجية جديدة. الأول قد يساعد الاقتصاد على النمو وسداد الدين مستقبلًا، أما الثاني فيؤجل المشكلة ويزيد فاتورتها. ولذلك فإن السؤال الحقيقي لم يعد: هل تنفق الدولة أم لا؟ وإنما: على ماذا تنفق؟ وبأي تكلفة؟ وهل سيخلق هذا الإنفاق قيمة اقتصادية تكفي لتحمل الدين الذي مولناه به؟ لهذا ربما لا تكون الكينزية قد ماتت، لكنها بالتأكيد لم تعد تملك المساحة المفتوحة التي كانت تملكها من قبل. الدولة التي رفعت ديونها إلى مستويات قياسية لا تستطيع استخدام الاقتراض إلى ما لا نهاية باعتباره الحل الجاهز لكل أزمة. وفي المقابل، فإن التقشف الأعمى قد يخنق الاستثمار والنمو ويزيد المشكلات الاجتماعية. المطلوب هو سياسة مالية أكثر ذكاءً: تنفق بقوة عندما يكون الاقتصاد في حاجة حقيقية إلى ذلك، وتتوقف عندما يصبح الإنفاق جزءًا من المشكلة، وتوجه الاقتراض نحو ما يزيد قدرة الاقتصاد على الإنتاج والنمو. لقد كانت مشكلة الثلاثينيات أن القطاع الخاص كان يدخر أكثر مما ينفق، فأصبح الادخار الجماعي وقودًا للركود. أما مفارقة عصرنا فقد تكون مختلفة: الحكومات نفسها اقترضت وأنفقت إلى الحد الذي بدأ يهدد قدرتها على استخدام الإنفاق كعلاج للأزمة المقبلة. ولذلك قد لا يكون السؤال في السنوات القادمة: هل نحتاج إلى كينزية جديدة؟ وإنما: هل نستطيع أن نصنع كينزية منضبطة، تنقذ الاقتصاد دون أن ترهن مستقبله؟

تعليقات