قيادات على خط النار: كيف يعيد صراع الشرق الأوسط تشكيل حسابات السياسة والاقتصاد؟..د/ محمد حسن يوسف

لم تعد تداعيات الصراع المتصاعد في الشرق الأوسط محصورة في ساحات المواجهة المباشرة، أو في حدود الدول التي تدور فوق أراضيها العمليات العسكرية، وإنما بدأت تمتد إلى حسابات القوى الإقليمية والدولية التي تجد نفسها أمام معادلة أكثر تعقيدًا من مجرد إدارة نزاع عسكري. وفي مقدمة هذه القوى تأتي السعودية والولايات المتحدة، حيث يتقاطع أمن المنطقة مع ملفات الطاقة والاستثمار والتنمية والسياسة الداخلية. وبينما تسعى الرياض إلى حماية المسار الاقتصادي الذي تقوده "رؤية 2030"، تواجه واشنطن معادلة تجمع بين أمن حلفائها، واستقرار أسواق الطاقة، وتكاليف الانخراط في صراع إقليمي لا تبدو حدوده واضحة. وهكذا تتحول نيران الصراع من مشكلة أمنية إقليمية إلى عامل ضغط على أجندات اقتصادية وسياسية تتجاوز حدود الشرق الأوسط نفسه.

وتزداد تعقيدات المشهد لأن المواجهة لم تعد تجري على مستوى عسكري واحد، بل أصبحت متعددة الأبعاد؛ فهناك المواجهة المسلحة المباشرة، وهناك استخدام الأدوات الاقتصادية والعقوبات، وهناك كذلك معركة النفوذ والحقائق السياسية. وهذا يعني أن التعامل مع الأزمة لم يعد ممكنًا من خلال أداة واحدة، إذ قد تنجح الضغوط الاقتصادية في إحداث آثار معينة دون أن تؤدي بالضرورة إلى تغيير السلوك السياسي، كما قد تحقق الضربات العسكرية هدفًا تكتيكيًا من دون أن تنهي قدرة الخصم على التكيف وإعادة بناء أدواته. وبينما تتسع دوائر الصراع، تصبح حماية الملاحة الدولية وممرات الطاقة جزءًا من المعركة نفسها، وهو ما يرفع كلفة أي خطأ في الحسابات ويجعل احتواء التصعيد أكثر صعوبة.
وتجد الرياض نفسها في قلب هذه المعادلة بحكم موقعها ودورها الاقتصادي، حتى عندما لا تكون طرفًا مباشرًا في العمليات العسكرية. فأمن صادرات النفط لا يرتبط فقط بقدرة المملكة على الإنتاج، وإنما أيضًا بسلامة الممرات البحرية والبنية التحتية وشبكات النقل التي تربط المنتج بالأسواق العالمية. وأي اضطراب ممتد في هذه المنظومة يمكن أن يفرض تكاليف تتجاوز قطاع الطاقة إلى الاستثمار والتجارة وثقة الأسواق. وتزداد حساسية المسألة بالنسبة للمملكة لأن "رؤية 2030" لا تقوم على النفط وحده، وإنما تستهدف إعادة تشكيل الاقتصاد السعودي وجذب استثمارات وتنمية قطاعات جديدة. ومن ثم فإن البيئة الإقليمية المستقرة ليست مجرد شرط أمني، وإنما أحد الشروط التي تساعد على استمرار هذا التحول الاقتصادي.
أما واشنطن، فتواجه بدورها معادلة لا تقل تعقيدًا. فمن ناحية، يرتبط الوجود الأمريكي في المنطقة بالتزامات أمنية تجاه حلفاء وشركاء، وبالحفاظ على حرية الملاحة واستقرار أسواق الطاقة. ومن ناحية أخرى، فإن اتساع نطاق المواجهة يرفع احتمالات تحمل الولايات المتحدة تكاليف عسكرية واقتصادية وسياسية إضافية. وتصبح المسألة أكثر حساسية عندما تنتقل آثار الصراع إلى أسعار الطاقة والتضخم وتكاليف المعيشة، وهي قضايا لا تبقى محصورة في السياسة الخارجية، بل يمكن أن تنعكس على الحسابات الاقتصادية والسياسية الداخلية في الولايات المتحدة. وهنا تظهر المفارقة: فكلما زادت الحاجة إلى التدخل لاحتواء المخاطر الإقليمية، زادت في الوقت نفسه كلفة الانخراط في الصراع، خصوصًا في ظل خطاب سياسي أمريكي يركز على تجنب الحروب الممتدة وتحميل الحلفاء مزيدًا من مسؤولية أمنهم.
وتكشف تجربة العقوبات والضغوط الاقتصادية على إيران عن جانب آخر من المعضلة. فالأدوات الاقتصادية يمكن أن تفرض تكلفة حقيقية على الخصم، لكنها لا تضمن وحدها تحقيق النتيجة السياسية المستهدفة. ومع استمرار الضغوط، طورت القوى المتحالفة مع طهران أساليب للتكيف والعمل غير المتكافئ، مستفيدة من طبيعة الصراعات الحديثة التي لا يشترط فيها امتلاك الطرف الأضعف قدرات عسكرية مماثلة لخصمه حتى يستطيع إلحاق أضرار مؤثرة. وهنا يصبح السؤال أكثر تعقيدًا: إذا لم تؤدِ العقوبات وحدها إلى تغيير السلوك، وإذا كانت الضربات العسكرية المحدودة لا تنهي مصادر التهديد، فما الأداة القادرة على إنتاج تسوية سياسية مستدامة؟
وتبرز في هذا السياق تجربة الجماعات المسلحة التي استطاعت الحفاظ على قدرتها على العمل رغم التفوق التكنولوجي والعسكري الهائل للقوى التي تواجهها. فالاختلاف في طبيعة الحرب يجعل المقارنة بين القدرات العسكرية التقليدية والقدرات غير المتكافئة أقل بساطة مما تبدو عليه على الورق. جماعة مسلحة تعمل داخل بيئة محلية وتستخدم أساليب استنزاف متفرقة لا تحتاج بالضرورة إلى امتلاك قوة عسكرية تضاهي قوة الدولة التي تواجهها حتى تتمكن من إطالة أمد الصراع ورفع تكلفته. ومن هنا فإن استهداف الممرات البحرية أو البنية التحتية الحيوية لا يمثل مجرد عمليات عسكرية منفصلة، بل يمكن أن يتحول إلى وسيلة للضغط على الاقتصاد وعلى حسابات الدول التي تعتمد على أمن هذه الممرات.
لكن التأثير الأكثر عمقًا لأي صراع طويل لا يظهر فقط في أسعار النفط أو حركة السفن أو حجم الإنفاق العسكري، وإنما في حياة المجتمعات نفسها. فكلما طال أمد عدم الاستقرار، ارتفعت تكلفة حماية الاقتصاد، وتراجعت مساحة الموارد المتاحة للتنمية، وأصبحت الحكومات مطالبة بالموازنة بين متطلبات الأمن وبين الحفاظ على مستويات النمو والخدمات والاستثمار. وبالنسبة للدول التي تبني سرديتها الاقتصادية على الاستقرار والتنمية، فإن استمرار الاضطراب الإقليمي يمثل تحديًا إضافيًا؛ ليس بالضرورة لأنه يوقف المشروعات مباشرة، وإنما لأنه يرفع مستوى المخاطر التي يتعين على المستثمرين وصناع القرار أخذها في الاعتبار. وهكذا تنتقل تكلفة الحرب تدريجيًا من ساحات القتال إلى الموازنات والأسواق وقرارات الاستثمار وحياة المواطنين.
ومن هنا تبدو الحسابات أمام الرياض وواشنطن شديدة التعقيد. فالتصعيد العسكري الواسع يحمل مخاطر توسيع دائرة الصراع ورفع التكاليف الاقتصادية والبشرية، بينما يسمح استمرار التوتر المزمن ببقاء مصادر التهديد للملاحة والطاقة والاستثمار. ولا يبدو أن أيًا من الخيارين يقدم حلًا بسيطًا، الأمر الذي يجعل إدارة الأزمة نفسها اختبارًا لقدرة صناع القرار على الموازنة بين الردع والاحتواء وحماية المصالح الاقتصادية. وفي مثل هذه البيئة، لا يصبح النجاح مرتبطًا فقط بقدرة دولة ما على تحقيق تفوق عسكري، وإنما بقدرتها على منع الأزمة من التحول إلى حالة دائمة تستنزف مواردها وتحد من قدرتها على تنفيذ أولوياتها الوطنية.
في النهاية، تكشف التطورات الراهنة عن حقيقة أوسع تتجاوز الصراع الحالي: الحروب الحديثة لا تُقاس نتائجها فقط بما يحدث على خطوط المواجهة، وإنما أيضًا بما تفعله بالاقتصادات والمجتمعات ومشروعات التنمية وبقدرة الدول على الحفاظ على هامش المناورة السياسية. وفي حالة السعودية والولايات المتحدة، تبدو العلاقة بين الأمن الإقليمي والاستقرار الاقتصادي أكثر وضوحًا من أي وقت مضى؛ فالممرات البحرية وأمن الطاقة والاستثمار والتنمية لم تعد ملفات منفصلة عن السياسة والأمن، بل أصبحت أجزاء من المعادلة نفسها. ويبقى التحدي الأساسي أمام صناع القرار هو كيفية إدارة هذه المعادلة المعقدة بحيث لا تتحول نيران الصراع الإقليمي إلى حريق أوسع يمتد أثره إلى الاقتصاد العالمي وإلى خطط التنمية والاستقرار في المنطقة.

تعليقات