مبادرة العنقاء..بقلم ذ/نزهة صفي

حين ينقذ شاب كتابا من تحت الأنقاض ، فإنه لا ينقذ ورقا، بل ينقذ ذاكرة شعب ومستقبل أمة.
بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ صدق الله العظيم
ليست هذه الآية الكريمة دعوة إلى الصبر فحسب ، بل هي منهاج حياة يربي الإنسان على الثبات ، والمثابرة ، والمرابطة في وجه الشدائد ، حتى يتحقق الفلاح. وقد جسد الشعب الفلسطيني هذه المعاني في أبهى صورها ، فلم يواجه آلة الحرب بالصمود وحده ، بل واجهها أيضا بالإيمان ، والعمل ، والعلم ، والثقافة.
وفي قلب غزة ، حيث تحاول حرب الإبادة التي يشنها الاحتلال الإسرائيلي أن تطمس معالم الحياة ، وأن تقتل الإنسان وتقتلع ذاكرته ، برز نموذج مضيء يجسد معاني العزيمة والإرادة والتضحية. إنه الشاب الفلسطيني عمر حمد ، الذي آمن بأن الكتاب لا يقل قيمة عن الإنسان ، وأن إنقاذه من بين الأنقاض هو حفاظ على هوية شعب، وصون لذاكرة أمة.
لم تمنعه أصوات القصف ، ولا مشاهد الدمار ، ولا خطر الموت المحدق به من أن يجوب الأماكن المدمرة بحثًا عن الكتب. كان يرى في كل كتاب ينجو من الركام انتصارًا للعلم على الجهل، وللحياة على الموت، وللثقافة على محاولات محو الهوية. وبمساندة عدد من المتطوعين الذين آمنوا برسالته، تمكن من جمع آلاف الكتب، وأسس مكتبة "العنقاء"، لتنهض الثقافة من تحت الركام كما ينهض طائر العنقاء من بين الرماد.
إن ما قام به عمر حمد ليس مجرد مبادرة ثقافية، بل هو صورة مشرقة من صور زكاة العلم، ورسالة إنسانية إلى شعوب العالم تؤكد أن بناء الإنسان يبدأ ببناء عقله، وأن الأمة التي تحمي كتبها تحمي مستقبلها، وأن الكلمة الصادقة تبقى أقوى من كل أدوات الدمار. فالإرادة الصلبة، حين تقترن بالإيمان والعلم، قادرة على أن تصنع من قلب المأساة فجرا جديدا، ومن بين الأنقاض منارة للأمل، تضيء الطريق للأجيال القادمة.
في الحروب، لا يكون الإنسان وحده هدفا للقصف، بل تمتد آلة الدمار إلى كل ما يصنع الحياة ويحفظ الذاكرة. وفي غزة، لم تسلم المكتبات من القصف، فتم هدم المباني التي كانت تؤوي آلاف الكتب والمخطوطات، في محاولة لطمس الإرث الثقافي والمعرفي، إلى جانب استهداف البشر والحجر.
غير أن الثقافة، كما طائر العنقاء الأسطوري، تعرف كيف تنهض من الرماد.  و هذا الشاب الفلسطيني عمر حمد قد جسد هذا المعنى حين رفض أن تندثر الكتب تحت الأنقاض، وشرع، بمعية متطوعين، في جمع ما أمكن إنقاذه من المكتبات المدمرة ومن البيوت التي طالها القصف، ليؤسس "مكتبة العنقاء"؛ اسمٌ يحمل دلالة عميقة على البعث والأمل بعد الخراب.
لم تكن المهمة سهلة، فالكتب التي نجت من القصف عاشت رحلة نزوح طويلة، وانتقلت من مكان إلى آخر أكثر من ثلاث عشرة مرة، قبل أن تجد لها مقرًا يحتضنها من جديد. واليوم تضم المكتبة نحو ستة آلاف كتاب في الأدب، والتاريخ، والعلوم، والفكر، والقانون، والطب، إضافة إلى مؤلفات توثق تاريخ غزة، وبعضها من الكتب النادرة التي تبرعت بها عائلات فلسطينية حفاظًا على الذاكرة الوطنية.
إن مبادرة "العنقاء" ليست مجرد مشروع لإنقاذ الكتب، بل هي رسالة حضارية تؤكد أن الشعوب التي تحمي المعرفة ترفض الاستسلام. فالكتاب ليس أوراقًا وحبرًا فحسب، بل هو ذاكرة أمة، وحصيلة تجاربها، وجسر يصل الماضي بالحاضر، ويمنح الأجيال القادمة حقها في المعرفة.
لقد حاولت الحرب أن تجعل الكتاب وقودًا للنار، لكن إرادة الشباب الفلسطيني أعادت إليه مكانته بوصفه وقودًا للعقل والوعي. وهكذا أصبحت مكتبة "العنقاء" شاهدًا على أن الثقافة يمكن أن تنتصر حتى في أحلك الظروف، وأن الاحتلال، مهما بلغ بطشه، لا يستطيع أن يهزم فكرة أو يمحو ذاكرة شعب يؤمن بالعلم والكلمة.
إن قصة عمر حمد ليست قصة مكتبة فحسب، بل قصة إنسان أدرك أن حماية الكتاب تعني حماية الهوية. وستظل "العنقاء" رمزا لصمود الثقافة الفلسطينية، ودليلا على أن الأمم التي تقرأ قادرة دائمًا على النهوض، مهما اشتد الدمار، لأن الكلمة الحرة لا يمكن قصفها، والذاكرة الحية لا يمكن  دفنها تحت الركام.

تعليقات