الماء نعمة الحياة ومسؤولية الجميع..ذ/نزهة صفي

يعتبر الماء أساس الحياة وسر استمرارها على الأرض،  و هو المصدر الرئيسي  و المكون الهام لكل الكائنات الحية و الوظائف الحيوية، كما يعتبر من النعم العظيمة التي امتن الله بها على عباده، كما جاء في القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾  سورة الأنبياء، الآية 30،  وقال سبحانه: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: الآية 99.
ولا تقتصر أهمية الماء على الشرب فقط، بل تشمل مختلف جوانب الحياة الإنسانية والاقتصادية والاجتماعية، فهو أساس الزراعة والصناعة والنظافة والصحة العامة، وبدونه تتعطل مصالح الناس وتتعرض حياتهم لمشاق كبيرة.
وقد أولى الإسلام عناية خاصة بالماء، فنهى عن الإسراف فيه حتى في حال الوفرة. فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن النبي ﷺ مر بسعد وهو يتوضأ فقال: «ما هذا السرف؟» فقال: أفي الوضوء إسراف؟ قال: «نعم، وإن كنت على نهر جار». كما جعل رسول الله ﷺ سقي الماء من أعظم القربات وأفضل أعمال الخير.
ومن هذا المنطلق، فإن ترشيد استهلاك الماء ليس مجرد سلوك اقتصادي، بل هو واجب ديني وأخلاقي ووطني. ويتحقق ذلك من خلال تجنب الهدر، وإصلاح التسربات، واعتماد أساليب الاستهلاك الرشيد في المنازل والمؤسسات والمجالات الفلاحية والصناعية، نظرا للأهمية الكبرى لهذه النعمة التي هي من أهم الموارد الطبيعية و أساس الحياة.
غير أن ما يثير استغراب المواطنين اليوم هو تكرار انقطاعات الماء الصالح للشرب في عدد من المناطق، رغم أن الموسم الفلاحي الحالي عرف تساقطات مطرية مهمة ساهمت في رفع حقينة السدود وتحسين الموارد المائية مقارنة بالسنوات الماضية. وهذا الواقع يطرح تساؤلات مشروعة حول أسباب هذه الانقطاعات المتكررة، وما إذا كانت مرتبطة بمشاكل في شبكات التوزيع، أو بأعطاب تقنية، أو بضعف البنية التحتية، أو بعوامل تدبيرية أخرى.
فالمواطن الذي يحرص على ترشيد الاستهلاك من حقه أيضا أن يحظى بخدمة منتظمة ومستقرة، وأن يتلقى توضيحات دقيقة وشفافة من الجهات المعنية عند حدوث أي اضطرابات أو انقطاعات، خاصة عندما تمتد لساعات طويلة أو لأيام متتالية، لما لذلك من تأثير مباشر على الحياة اليومية والصحة والنظافة والأنشطة الاقتصادية.
إن الحفاظ على الماء مسؤولية مشتركة بين الدولة والمؤسسات والمواطنين، تقوم على حسن التدبير من جهة، وعلى الاستعمال الرشيد من جهة أخرى. فالماء ليس مجرد مورد طبيعي، بل هو حق أساسي من حقوق الإنسان، ونعمة تستوجب الشكر بالحفاظ عليها وحسن استثمارها. وقد حثنا الله تعالى في كتابه الحكيم عن الحفاظ عن هذه النعمة و عدم هدرها في قوله جل جلاله في سورة الأعراف ، الآية 31:
 ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾  
الماء ليس مجرد خدمة عمومية، بل شريان الحياة وركيزة الكرامة الإنسانية. وإذا كان ترشيد استهلاكه واجبا على الجميع، فإن ضمان استمرارية تزويد المواطنين به حق لا يقل أهمية. وبين الواجب والحق تبقى الشفافية وحسن التدبير أساس الثقة بين المواطن والمؤسسات.

تعليقات