معطف قوقول من زاوية وجودية..الأستاذة/ آمنة تباني

لم يقدم لنا نيكولاي غوغول مجرد حكاية تسرد مأساة موظف بسيط مهمش في عالم تبتلعه المادة، بل وضع الحجر الأساس الذي خرجت منه الرواية الروسية الواقعية كلها، ومن ثمة الرواية الواقعية لعالم المادة الجشع كما قال تورغينيف (كلنا خرجنا من معطف غوغول)
وتتجلى عبقرية الكاتب في هذه الرواية الخالدة في اختياره لثيمة اللباس المتمثلة في المعطف حيث يجعل منه بؤرة دلالية لاختزال أزمة الوجود الإنساني، فلحظة تحسن مزاج أكاكي أكاكييفيتش وارتفاع معنوياته بمجرد ارتدائه المعطف الجديد لم تكن مجرد بهجة عابرة، بل كانت إعلانا عن انصهار الهوية في المادة. لقد انتقل البطل من كونه نسخة بشرية مهمشة إلى شخص يمتلك شيئا ذا قيمة يمنحه حق الاعتراف والوجود في عيون الآخرين، مما يكشف هشاشة الروح حين تستمد قيمتها من شيء مادي خارجي. هذا المعادل الموضوعي الدسم سيميائيا حول المعطف من وسيلة للتدفئة إلى قناع للسلطة والوجاهة، حيث تتبادل الأدوار بشكل تراجيدي فيصبح الجماد غاية تعبد، ويتحول الإنسان إلى وسيلة خاضعة لسطوة المظاهر.
إن سعادة أكاكي المباغتة كانت في جوهرها اغترابا عن ذاته القديمة الزاهدة، وسقوطا في فخ المادة الذي يوهمنا بالامتلاء بينما هو يسلبنا حريتنا الداخلية وفي عالم يطغى فيه الجشع المادي، يظل المعطف رمزا لكل الأغطية الزائفة التي نرتديها لنستر بها عرينا الروحي، فالمأساة لم تكن في سرقة المعطف بل في سرقة المعنى الذي رهن أكاكي حياته به، وكأن غوغول يهمس لنا بأن الخبز الذي يسد جوع الجسد لا يكفي وحده لترميم كرامة الإنسان إذا ما صار هو والقيمة شيئا واحدا ليظل الشبح الهائم في النهاية صرخة احتجاجية ضد عالم يمنح الاحترام للأثواب ويحرمه من الأرواح.

تعليقات