زينب النفزاوية ، العقل الذي أسس مجد الدولة المرابطية..بقلم الأستاذة/نزهة صفي

في عمق الذاكرة التاريخية المغربية ، تتجلى ملامح حضارة عريقة لم تبن على إسهامات الرجال وحدهم، بل كان للمرأة فيها حضور فاعل ومؤثر، أسهم في صناعة التحولات الكبرى إلى جانب الرجل في مختلف مجالات البناء السياسي والاجتماعي والحضاري.
وفي هذا الإطار، تبرز أسماء نسائية تركت بصماتها في الذاكرة التاريخية المغربية ، لتؤكد أن مسار التاريخ الوطني كان دائما ثمرة تفاعل أدوار متعددة، لا رواية أحادية الاتجاه.
ومن بين هذه الأسماء اللامعة ، تتلألأ شخصية زينب النفزاوية ، المرأة التي لم تكن مجرد زوجة لحاكم، بل كانت عقلا راجحا، ورؤية نافذة ، وشريكة حقيقية في بناء واحدة من أعظم الدول في تاريخ المغرب: الدولة المرابطية

ولدت زينب النفزاوية في بيئة أمازيغية، ويرجح أنها تنتمي إلى قبيلة نفزاوة الأمازيغية، وقد عرفت منذ شبابها بذكائها وجمالها  و مالها و محاسنها و خصالها المحمودة و نبوغها و فطنتها، وحسن تدبيرها. هي رمز النساء العظيمات اللواتي نقشن اسمهن في تاريخ المغرب و مثلن الحكمة و السياسة. و قد قال فيها ابن خلدون: إنها إحدى نساء العالم المشهورات بالجمال و الرئاسة

 لم تكن زينب امرأة عادية في مجتمعها ، بل كانت تتمتع بحضور قوي وشخصية مؤثرة، ما جعلها محط أنظار كبار القادة. تزوجت أولا من زعماء محليين، لكن مسارها التاريخي الحقيقي بدأ حين ارتبطت بالأمير يوسف بن تاشفين ، الذي أسس لاحقا إمبراطورية امتدت من أعماق الصحراء إلى الأندلس. ومنذ ذلك الحين، لم تعد زينب مجرد زوجة، بل أصبحت مستشارة قريبة، يؤخذ برأيها في القضايا السياسية الكبرى.

تشير الروايات التاريخية إلى أن زينب النفزاوية لعبت دورا محوريا في تثبيت حكم يوسف بن تاشفين، إذ كانت تعرف بقدرتها على قراءة الأحداث واتخاذ القرارات الصائبة. وقد قيل إن يوسف لم يكن يتخذ قرارا مهما دون مشورتها، وهو ما يعكس مكانتها الاستثنائية.

كانت زينب تدرك أن الحكم لا يقوم بالسيف وحده، بل يحتاج إلى حكمة وتوازن، فأسهمت في توطيد العلاقات بين القبائل، وتهدئة النزاعات، وترسيخ أسس الاستقرار السياسي. ويروى أنها كانت صاحبة رؤية في اختيار موقع مدينة مراكش ، التي أصبحت لاحقا عاصمة الدولة المرابطية. بحيث هي من كانت وراء تحفيز بناء المدينة  التي استكملها يوسف بن تاشفين و الذي دائما يذكر فضلها و يثني عليها الثناء الحسن لأنها بحكمتها و رجاحة عقلها و مشوراتها، أنقذت الدولة في لحظة عصيبة.

لم يكن تأثير زينب مقتصرا على السياسة، بل امتد إلى المجال الاجتماعي، حيث كانت مثالا للمرأة القوية التي تجمع بين الأنوثة والذكاء. وقد نسجت حول شخصيتها حكايات كثيرة، بعضها يميل إلى الأسطورة، لكنها في مجملها تؤكد حضورها الطاغي وتأثيرها العميق.

و رغم قلة المصادر الدقيقة حول تفاصيل حياتها، فإن اسم زينب النفزاوية ظل حاضرا في الذاكرة المغربية كرمز للمرأة الحكيمة التي شاركت في صنع التاريخ. إنها ليست مجرد شخصية عابرة، بل نموذج يحتذى به في القيادة النسائية والتأثير الهادئ العميق..

وتوفيت زينب النفزاوية ، بعد مسار حافل بالتأثير السياسي و الاجتماعي ، تاركة وراءها إرثا من الحضور و الحكمة و البصيرة، و مخلفة ثلاث أمراء، تميم و الفضل و المعز بالله.

إن استحضار سيرة زينب النفزاوية هو استحضار لامرأة كتبت حضورها في ذاكرة التاريخ بهدوء الحكماء، لا بضجيج السلطة ، لم تكن في الواجهة دائما ، لكن كانت حاضرة في عمق القرار ، توجه و تسهم في صناعة مسار دولة تركت أثرها في التاريخ.
و كما أن سرد قصتها ، ليس مجرد عودة إلى الماضي، بل هو دعوة صادقة لكل المغاربة لقراءة تاريخهم الغني بالأحداث والإنجازات، تاريخ زاخر بنماذج صنعت المجد وأسهمت في بناء حضارة عريقة لا تزال آثارها حاضرة إلى اليوم.
كما أن هذه السيرة تذكرنا بأن صورة المرأة الحكيمة والقوية ليست وليدة العصر الحديث، بل هي امتداد لجذور عميقة في تاريخنا. فقد كانت المرأة المغربية، منذ قرون، شريكة في القرار، حاضرة في البناء، ومؤثرة في مسار الأمم.

إن قراءة تاريخنا ليست ترفا ثقافيا، بل هي وعي بالذات، واعتزاز بالهوية، واستلهام لقيم القوة والحكمة التي نحتاجها اليوم أكثر من أي وقت مضى.

تعليقات