حين تقترب النهاية ، تبدأ أعظم ليالي رمضان..بقلم الأستاذة/ نزهة صفي


في العشر الأواخر من رمضان، تتحول الليالي إلى محطات إيمانية مضيئة، حيث يتضاعف التنافس الروحي على الدعاء والقيام والقرآن لنيل أعظم جائزة: *ليلة القدر*.
فمع دخول العشر الأواخر من شهر رمضان المبارك، يعيش المسلمون في مختلف أنحاء العالم لحظات إيمانية استثنائية، حيث تتجدد في القلوب مشاعر الرجاء في رحمة الله ومغفرته. فهي أيام وليال ليست كسائر الأيام، بل هي موسم عظيم للطاعة والعبادة، تتضاعف فيه الحسنات وتتنزل فيه الرحمات، ويترقب المؤمنون فيه أعظم ليلة في العام، *ليلة القدر* التي جعلها الله خيرا من ألف شهر.
وتبدأ العشر الأواخر من ليلة الحادي والعشرين من رمضان إلى نهاية الشهر، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يوليها عناية خاصة ويجتهد فيها أكثر من غيرها. فقد روت السيدة عائشة رضي الله عنها: *«كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر الأواخر شد مئزره، وأحيا ليله، وأيقظ أهله»* (رواه البخاري ومسلم)، في إشارة إلى مضاعفة الاجتهاد في العبادة والقيام.
وتكمن عظمة هذه الليالي في أنها تحتضن ليلة القدر، تلك الليلة المباركة التي قال الله تعالى في شأنها، في سورة القدر:
*﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾*

كما قال سبحانه تعالى:
*﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ ۝ سَلَامٌ هِيَ حَتّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾*
و قال النبي صلى الله عليه وسلم في فضل قيامها: *«من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غُفر له ما تقدم من ذنبه»*.
ومن أجل اغتنام هذه الأيام المباركة، يحرص المسلمون على الإكثار من الطاعات التي تقربهم من الله تعالى. ويأتي في مقدمة ذلك قيام الليل والتهجد، امتثالا لقوله تعالى في سورة الإسراء::
*﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾*

كما يكثر المؤمنون على تلاوة القرآن الكريم وتدبر آياته، فهو شهر القرآن الذي تتزكى به النفوس وتطمئن به القلوب. ويختار بعضهم الاعتكاف في المساجد اقتداء بسنة النبي صلى الله عليه وسلم، حيث ينقطع العبد لعبادة ربه بعيدا عن مشاغل الدنيا.
ولا يكتمل اغتنام هذه الليالي المباركة دون الدعاء، فهو روح العبادة وجوهر الصلة بين العبد وربه.
كما روى للترمذي عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه كان يكثر من قول :*اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني»* .
و من أهم مظاهر الخير في العشر الأواخر، الصدقة وبذل المعروف إذ يسارع الناس إلى مساعدة المحتاجين وإدخال السرور على الفقراء، تعبيرا لقيم التضامن والتكافل التي يدعو إليها الإسلام، خاصة في شهر الرحمة والمغفرة.
وتبقى ليلة القدر نور هذه الليالي وأعظمها قدرا، وقد رجح العلماء أنها تكون في الليالي الوترية من العشر الأواخر *(21، 23، 25، 27، 29)*، لذلك يستحب إحياؤها بالصلاة والذكر والدعاء، طلبا لفضلها العظيم وأجرها الذي يفوق عبادة ألف شهر.
إن العشر الأواخر من رمضان ليست مجرد أيام في نهاية شهر الصيام، بل هي ذروة الموسم الإيماني، ومحطة عظيمة لمراجعة النفس وتطهير القلب. ففي هذه الليالي تتجدد التوبة، وترفع الأكف بالدعاء، وتفيض القلوب رجاء في رحمة الله. والسعيد حقا هو من اغتنمها بالصلاة والذكر والصدقة، وجعل منها بداية جديدة مع الله، لعل الله يكتب له فيها مغفرة الذنوب ورفعة الدرجات، ويكون من الفائزين بليلة القدر ومن العتقاء من النار.
*اللهم بلغنا ليلة القدر، وتقبل منا الصلاة و الصيام والقيام، واجعلنا من المقبولين الفائزين برحمتك يا رب العالمين*.

تعليقات