هناك حروب يومية يعيشها الإنسان ، بينه و بين نفسه ، ما بين أهداف تتحقق و أخرى تنهار ، و ما بين عقله و عاطفته ، و ما بين ما يعجبه و ما يناسبه ، و هكذا كل منا يعيش هذه الصراعات البسيطة و المركبة أحيانا ، الهادئة و المتفجرة أحيانا أخرى . و تمضي الحياة في سكون باد على الوجوه ، و حروب عميقة حارقة في الأعماق .
و هناك حروب تنشب بين عشية وضحاها دون أن نعلم حتى متى سوف تنتهي ، فنحن نعلم بدايتها مما تشهده و تشاهده و تعاينه أعيننا ، تلك التي لا تود مفارقة الشاشات لمتابعة كل التفاصيل .
حروب تبدو تافهة أحيانا ، لكنها تستمر لشهور و سنوات ، و ها نحن لا زلنا نتابع حرب روسيا و أوكرانيا ، و التي كنا نتوقع نهايتها بعد أسابيع على الأكثر ، بالإضافة إلى غيرها من الحروب الأخرى ، و التي لا زالت مستمرة إلى اليوم تحرق الأخضر و اليابس ، و الشيوخ و الأطفال ، و في قرارة أنفسنا لا نعلم لم يحارب الإنسان نفسه ، ففي نهاية الأمر هي حرب من الإنسان ضد نفسه ، هو فقط من يجني خسائرها و ما تسببه من خراب و دمار .
يخيم الرعب و الخوف و الفزع ، على سماء هذا الكوكب الذي لا يهدأ ما بين حروب طبيعية من زلازل و أعاصير و براكين و جفاف و فيضانات ، و رغم كل هذا لا يهدأ للإنسان بال إلا بعد أن يشعلها و يضرمها بالقنابل و الصواريخ .
كل هذا و نحن نعلم جيدا مدى "التحضر" الذي وصلت إليه البشرية ، لكن أين هي بوادر الحضارة حينما يقاتل الإنسان أخاه و نفسه ؟ أين هو التقدم حينما يحطم في يوم كل ما بناه في سنين ؟ أين هي معالم الأخلاق و حقوق الإنسان التي يتشدق بها عالمنا ؟ و من أهم حقوقه العيش بأمن و أمان ، أين هي الفضيلة التي نقرا عنها في الكتب و نسمع بها في خطب كبار المسؤولين؟ و ما هو مصير البشرية ؟ و الذي - ربما - أصبح قاب قوسين من الهلاك الذي لا رجعة فيه و لا عودة منه. إنه أشبه بانتحار جماعي لا يد لنا في أخذ قراره لكنه يسري علينا جميعا شئنا أم أبينا.
هذه هي الحرب يا سادة ، نيران تشتعل و نحن نجري فرارا منها نبحث عن ملاجئ . أعلم أن هناك من سيقول أنني لا أفهم شيئا في الأمور السياسية ، و هنا سأبتسم و أرد لا أود أن أفهم ، و تبا لهذه السياسة التي تقض مضاجعنا و ترعب أطفالنا و تجوع نساءنا ، و تسقينا ألوان العذاب و الذل و الهوان ، و قد كنا قبلها مكتفين بحروبنا اليومية ، بحثا عن لقمة العيش و عن تربية أبنائنا ، و نحن نحمل هم ما تحمله لهم الأيام القادمة من قسوة و تعب ، و فجأة نخاف عليهم من شظايا صواريخ طائرة فوق رؤوسنا ، تقتل من يتواجد في طريقها بدون أي ذنب ارتكبه.
لا خير في هذه الحياة ، بل لا خير في كل هذا التقدم الذي تتباهى به البشرية ، لا خير في هذه الحضارة التي لا تؤمن لنا العيش في سلام ، لا خير أبدا في كل تقدم طبي يجعل الإنسان يداوي علله و أمراضه كي يجد نفسه يوما ما تحت دخان القنابل ، و قد أصبح يكره الظروف التي جعلته يحيا لذلك اليوم ، كي يشهد مصرع نفسه و هو عاجز عن أن يمد يد المساعدة لها كي ينقذها . لا خير في تقدم بعيد عن الإنسانية ، عن الرحمة و الرأفة و التآخي و التعاون.
