إن الانتماء للأرض ليس انغلاقا في شرنقة الطين، بل هو تماه مع روح الوجود التي لا تحد بحدود، حيث يغدو الإخلاص للتراب ترتيلا صوفيا يرفض التعصب الأعمى، فالحضارة في جوهرها نهر لا يملكه أحد كما يرى هيرقليطس، وهي تراكم إنساني كوني لا يقبل الاحتكار أو الانكفاء على الذات.
نحن نغرس جذورنا في أرضنا لا لنحجب الضوء عن الآخر، بل لنرتفع بأغصاننا نحو سماء تشترك فيها كل اللغات، تماما كما قال محمود درويش: "على هذه الأرض ما يستحق الحياة"، وهذا الاستحقاق ليس حكرا على عرق أو ثقافة، بل هو ميراث بشري مشاع. إن البناء الحضاري رهان قيمي يقوم علىالتثاقف لا التصادم، فالتراث ليس جرة مقفلة نخبئها في سراديب التفاخر، بل هو نار نوقدها وننقلها كما وصفه غوستاف مالر، مؤكدا أن الوفاء للتراث يعني الحفاظ على الشعلة لا عبادة الرماد.
ومن هنا، يصبح الانتماء الحقيقي هو ذاك الذي يجعل من الخصوصية الثقافية جسرا للعبور نحو الكلية الإنسانية، بعيدا عن صنميات الجغرافيا التي تحيل الوطن إلى سجن، فكل صرح حضاري هو مدماك وضعه إنسان مجهول في مكان ما لخدمة غاية أسمى، مما يجعلنا ورثة لكل إبداع بشري تحت الشمس، مؤمنين بأن الأرض أم للجميع، والوفاء لها يكمن في إعمارها بالحب والبناء، لا بتسييجها بأسلاك الكراهية، لأن الحقيقة الكبرى هي أن "الإنسان حيث يضع أثرا لا حيث ولد"، وهذا هو الإخلاص الذي يتجاوز ضيق الأفق إلى رحابة الوجود المطلق.
آمنة تباني
