نيرانُ الشوقِ..بقلم: هاشم ناصر كمال الدين
تَأْتِي لِيالي الشَّوْقِ مُثْقَلَةً بِالجَمْرِ وَالدَّمْعِ، فَتَشْتَعِلُ فِي الأَضْلُعِ نِيرَانُ الهَوَى، تَأْكُلُ بَقَايَا الصَّبْرِ، وَتُضْرِمُ فِي الرُّوحِ ضَرِاماً لا يَنْطَفِئُ. أَنَا المَطْرُودُ مِنْ جَنَّةِ القُرْبِ، الْمُمَدَّدُ عَلَى جَمْرِ الغِيَابِ، أُقَلِّبُ جَمْرَةَ الحُرْقَةِ فِي كَفِّي، وَأُرَتِّلُ اسْمَكِ تعويذةً فِي مِحْرَابِ العِشْقِ، لَعَلَّ صَدَى نِدَائِي يَخْتَرِقُ صَمْتَ المَسَافَاتِ. يَا مَنْ جَعَلْتِ الرُّوحَ رَمَاداً، ثُمَّ بَعَثْتِيهَا بِنَظْرَةٍ! أَنْتِ.. كالْبَرْقِ الهَامِي الَّذِي يَمْزَقُ دَيَاجِي العَتَمَةِ بِمُهجَةٍ مُحْرِقَةٍ، كَالصَّاعِقَةِ التِي تُبَدِّدُ سُكُونَ الجَسَدِ، كاللَّهِيبِ المُقَدَّسِ الَّذِي يَصْهَرُ الحَجَرَ، كَالْغَيْثِ الحَيِيِّ الَّذِي يَسْقِي الأَرْضَ المَوَاتَ فَتُورِقُ جِنَاناً، كَالْعِطْرِ الهَارِبِ مِنْ فِرْدَوْسٍ مَفْقُودٍ لِيَسْتَوْطِنَ الأَنْفَاسَ. إِلَيْكِ.. تَجْرِي رِيَاحُ الحَنِينِ عَاصِفَةً غَاضِبَةً، تَحْمِلُنِي فَوْقَ غَمَامِ الوَجْدِ، تَطْوِي بِي المَفَاوِزَ، وَالسَّهَابَ، وَالْقِفَارَ، حَتَّى أُلْقِيَ بِرَأْسِي المُثْقَلِ بِالسُّهَادِ وَالْعَنَاءِ، عَلَى كَتِفَيْكِ اللَّذَيْنِ هُمَا وَحْدَهُمَا مَرْسَى الخَلاصِ. إِنِّي مُشْتَاقٌ.. شَوْقاً يُحْرِقُ اليَابِسَ وَالأَخْضَرَ، شَوْقاً يَنْحُتُ فِي صَخْرِ الرُّوحِ مَلامِحَكِ المُقَدَّسَةَ، كَأَنَّكِ الزَّمَانُ كُلُّهُ.. ماضيهِ، وحاضرهُ، ومستقبلهُ، وَكَأَنَّنِي كُلُّ العُشَّاقِ قَبْلَكِ وَبَعْدَكِ، اجْتَمَعُوا فِي قَلْبِي لِيَمُوتُوا حُبّاً فِيكِ. تَعَالَي.. لِتَسْتَرِيحَ لَوْعَةُ الشَّاعِرِ بَيْنَ يَدَيْكِ، وَلْتَخْبُ هَذِهِ النِّيرَانُ بَرْداً وَسَلَاماً، حِينَ يَلْتَحِمُ النَّبْضُ بِالنَّبْضِ، وَيَنْقَضِي المنْفَى، وَيُخْلَصُ القَلْبُ مِنَ الشَّقَاءِ!
تعليقات
