وهكذا إذا..​قصة قصيرة بقلم: د. حسين موسى

​عِنْدَمَا هَبَطَ الظَّلَامُ اسْتَكَانَ كُلُّ فَرَحِهِ أَلَمًا، وَكَأَنَّمَا بِهِ قَدْ تَجَاوَزَ دَوْرَةَ الِاعْتِدَالِ الَّتِي تَشْهَدُهَا عَادَةً الْفُصُولُ لِإِنْتَاجِ دَوْرَةِ الْحَيَاةِ.. فَالِانْقِلَابُ جَاءَ حَادًّا كَأَيَّامِهِ الْمُثْقَلَةِ بِالْفَرَحِ الْمُسْتَقِرِّ فِي ثَوْبِ الْمُعَانَاةِ الدَّائِمِ، لِإِيجَادِ فَهْمٍ سَلِيمٍ لِمَعْنَى الْحَيَاةِ، وَلَمْ يَجِدْ مَا يُقِيتُ جَسَدَهُ وَيُحِيلُهُ إِلَى دِفْءٍ مَعَ صَقِيعِ الذِّكْرَيَاتِ الْوَاصِلَةِ إِلَى دَوْرَةِ دَمِهِ الْمُتَجَمِّدِ بِفِعْلِ الْإِهْتِلَاكِ الْمُسْتَمِرِّ، لِصَيْرُورَةِ الْعِشْقِ.

​فَجَاءَ الِانْقِلَابُ صَاعِقًا، حَيْثُ لَمْ يَكُنْ قَدِ احْتَسَبَ لِفِعْلِ الْأَلَمِ الْكَامِنِ فِي غَيَاهِبِ الْفَرَحِ الْجَمِيلِ.. ​هَكَذَا هِيَ الْأَشْيَاءُ. ​فَرَحٌ نَادِرٌ فِي يَبَابِ الْحُزْنِ، تَعْصِفُ حَيْثُمَا تَشَاءُ، وَفِي أَيِّ وَقْتٍ تَشَاءُ، ​سَخِيفَةٌ هِيَ الْحَيَاةُ الْجَامِعَةُ لِنَقَائِضِ الْأَشْيَاءِ، تَنَقَضُّ كَالصَّاعِقَةِ فَجْأَةً وَتُشْعِرُنَا بِخُسْرَانِ الْفَلْسَفَةِ الْيُونَانِيَّةِ الْقَدِيمَةِ: نَكُونُ أَوْ لَا نَكُونُ؟؟ ​فَلَا مَعْنَى لِلْأَلْوَانِ فِي قَامُوسِ التَّوَاتُرِ الْيَوْمِيِّ.. وَفَلْسَفَةِ الْعِشْقِ الْقَاتِلِ. ​أُحِبُّكِ.. ​أَكْرَهُكِ؟؟ ​وَمَا بَيْنَ الْحُبِّ وَالْكُرْهِ، دَوْرَةٌ مِنَ الْفَشَلِ تَعْتَمِرُ رَأْسَ الْأَحْلَامِ الْوَرْدِيَّةِ، وَيَتْرُكُهَا فِي لَحْظَةٍ سَرِيعَةٍ عَارِيَةً إِلَّا مِنْ حِبْرِ مَا كُتِبَتْ بِهِ، أَوْ قُبُلَاتِ الشِّفَاهِ الْمُلْتَصِقَةِ بِذَاتِ الْجَسَدِ، الْمُتَحَرِّكِ بِفِعْلِ نُطْقِ الْكَلِمَاتِ لَيْسَ إِلَّا..؟ ​فَمَا نَعِيشُهُ لَيْسَ سِوَى دَوْرَةٍ غَرِيزِيَّةٍ، تَتَوَاتَرُ عَلَى إِيقَاعِهَا الْكَلِمَاتُ. ​كَانَتْ تُصَوِّرُ لَهُ أَنَّهَا ارْتِبَاطٌ عُضْوِيٌّ بَيْنَ رُوحِهَا وَرُوحِهِ، تَجْمَعُهُمَا وَشَائِجُ مَنْسُوجَةٌ مِنْ حَيَاةٍ وَمَوْتٍ، الْتَحَمَا فِي إِنْتَاجِ شَيْءٍ جَدِيدٍ. وَلَكِنَّهَا عَبَرَتْ كُلَّ ثَقَافَتِهَا، لِتَتَحَوَّلَ إِلَى مُجَرَّدِ امْرَأَةٍ تَمُنُّ بِجَسَدِهَا لِإِرْضَاءِ ذَاتِهَا وَمُحَاوَلَةِ قَهْرِ الْآخَرِ بِنَوْعٍ مِنَ الِاغْتِصَابِ الْمُقَنَّعِ لِمَعْنَى الزَّوَاجِ. ​غَرِيبٌ مَفْهُومُ الزَّوَاجِ هَذَا الْمَبْنِيُّ عَلَى أَسَاسِ إِشْبَاعِ الْغَرَائِزِ. وَهُنَا تَقْفِزُ إِلَى بَالِهِ تِلْكَ الدُّودَةُ الْمُتَطَهِّرَةُ مِنْ تَفَاسِيرِ الْعَلَاقَةِ مَعَ الْآخَرِ، تُمَارِسُ الْإِلْقَاحَ الذَّاتِيَّ لِإِنْتَاجِ نَسْلِهَا دُونَ اكْتِرَاثٍ لِلَوْنِ وَمَشَاعِرِ وَكُنْهِ الْآخَرِ الْمُنْغَمِسِ فِي ذَاتِهَا. فَهِيَ مُنَزَّهَةٌ عَنْ مَفْهُومِ الطَّلَاقِ وَالْهَجْرِ وَالِانْفِصَالِ، وَحَتَّى الْمَنَّهِ. ​يَزْلَفُ مِنْ تَفَاصِيلِ حَيَاتِهِ الْمُكَدَّرَةِ بِسُوءِ الِاخْتِيَارِ، أَوْ الِاخْتِيَارِ الْمَبْنِيِّ عَلَى نِهَايَةِ الْأَشْيَاءِ، أَوْ تَمَاثُلِهَا؛ فَالنِّسَاءُ هِيَ النِّسَاءُ، مَا اخْتَلَفَتْ عَلَيْهِ مِنْ لَوْنٍ وَمَظْهَرٍ وَتَفَاصِيلَ غَيْرِ ذَاتِ قِيمَةٍ. جَسَدٌ يَعُجُّ بِمُفْرَدَاتٍ حَبَا اللَّهُ الْمَرْأَةَ عَلَيْهَا وَمَيَّزَهَا فِي مَظْهَرٍ مَا. ​وَحَتَّى الْمُفَسِّرُونَ الْجُدُدُ فَقَطْ تَقَاطَرُوا فِي تَشْرِيعِ فَلْسَفَةِ الْإِلْقَاحِ الذَّاتِيِّ لِلرَّجُلِ وَحَتَّى الْمَرْأَةِ.. وَلَكِنَّهُمْ فَشِلُوا فِي الْحُصُولِ عَلَى إِنْتَاجٍ لِفِعْلَتِهِمْ تِلْكَ. ​هَكَذَا إِذًا.. ​قَدْ نَمْلِكُ مَفَاتِيحَ الْأَشْيَاءِ.. وَقَلَّمَا نَنْجَحُ فِي ضَبْطِ قَوَافِيهَا كَمَا الْقَصِيدَةِ، أَوْ خَوَاتِيمِهَا كَمَا الْحَيَاةُ.. وَنَجِدُنَا مَجْبُورِينَ عَلَى التَّعَايُشِ مَعَهَا، وَتَصْبَحُ الْأَجْسَادُ هِيَ نُقْطَةَ الْوُصُولِ إِلَى اللَّذَّةِ فِيمَا أَرْوَاحُنَا تُحَلِّقُ كُلٌّ فِي عَالَمٍ خَاصٍّ بِهِ. لِيَقْفِزَ أُولَئِكَ الْمُفَسِّرُونَ فِي وُجُوهِنَا مُجَدَّدًا مُشْرِعِينَ بِوُجُوهِنَا ظَاهِرَةَ الزِّنَا التَّخَيُّلِيِّ. ​هُنَا يَلُوذُ بِصَمْتٍ إِلَى فَضَاءِ ذَاكِرَتِهِ يُعَاتِبُ ذَاتَهُ عَلَى ذَاتِهِ، لِيَغْدُوَ إِلَى فَضَاءَاتِ الْمَوْتِ الْجَمِيلِ. ​هَكَذَا إِذًا.. ​فَكُلُّنَا أَمْوَاتٌ فِي كَفَنٍ يَلُفُّ الْجَسَدَ الْمُهْتَلِكَ بِفِعْلِ الْغَرِيزَةِ، الْفَاقِدَ لِشَرْعِيَّةِ الرُّوحِ الْهَارِبَةِ إِلَى طَوْقٍ لِلنَّجَاةِ جَدِيدٍ. ​د. حسين موسى كاتب وشاعر وصحفي فلسطيني
تعليقات