بين مطرقة التضخم وسندان الركود ، ماذا ينتظر العالم ومصر من قرار الفيدرالي في 𝟭𝟲 سبتمبر؟..د.محمد حسن يوسف

يدخل مجلس الاحتياطي الفيدرالي اجتماعه المقرر يومي 15 و16 سبتمبر 2026 أمام واحدة من أكثر اللحظات تعقيدًا في مسار السياسة النقدية الأمريكية خلال الفترة الحالية؛ فالتضخم لم يعد إلى مستوى 2% المستهدف، بينما بدأت تكلفة الاقتراض المرتفعة وأسعار الطاقة في فرض ضغوط متزايدة على النشاط الاقتصادي. وتكشف أحدث بيانات أغسطس عن ارتفاع مؤشر أسعار المستهلكين بنسبة 0.4% على أساس شهري و3.4% على أساس سنوي، في حين ارتفع التضخم الأساسي بنسبة 0.3% شهريًا و2.4% سنويًا. وهذه الأرقام لا تعني أن التضخم الأمريكي خرج عن السيطرة، لكنها تكفي لإبقاء صناع السياسة النقدية في حالة حذر، خصوصًا مع استمرار أسعار الطاقة عند مستويات مرتفعة. ولهذا لم يعد السؤال الذي يشغل الأسواق هو فقط: ماذا سيفعل الفيدرالي في اجتماعه المقبل؟ بل أصبح السؤال الأهم: هل يستطيع الفيدرالي أن يواجه الضغوط التضخمية دون أن يدفع الاقتصاد نحو تباطؤ أشد؟

في ضوء هذه المعطيات، أصبحت الأسواق تميل بقوة إلى سيناريو رفع الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس، مع بقاء احتمال التثبيت قائمًا وإن كان أقل ترجيحًا، بينما يبدو الخفض في هذا الاجتماع بعيدًا وفق المعلومات المتاحة قبل القرار. وإذا تحقق الرفع، فسيرتفع النطاق المستهدف للفائدة من 3.50% – 3.75% إلى 3.75% – 4.00%. لكن أهمية القرار لن تكمن في الربع نقطة المضافة وحدها، وإنما في الرسالة التي سيرسلها الفيدرالي بشأن ما بعدها. فإذا أوضح أن الخطوة احترازية وأن القرارات المقبلة ستظل مرتبطة بالبيانات، فقد تتعامل الأسواق معها باعتبارها خطوة أخيرة أو مؤقتة في دورة التشديد. أما إذا جاء الرفع مصحوبًا برسالة متشددة تشير إلى احتمال استمرار الزيادات، فإن الأسواق قد تعيد تسعير توقعاتها بسرعة، بما يعني عوائد أعلى على السندات وضغوطًا أكبر على الأسهم والعملات والائتمان. وحتى التثبيت لن يكون بالضرورة قرارًا مريحًا للأسواق؛ فإذا صاحبه تحذير قوي من التضخم، فقد ترتفع العوائد ويزداد الطلب على الدولار رغم عدم تغيير سعر الفائدة.
وهنا تكمن أهمية ما يسمى "الاتصال النقدي" للفيدرالي؛ فالأسواق لا تتعامل فقط مع القرار الحالي، وإنما تحاول استباق القرار التالي وما بعده. ولهذا ستتجه الأنظار إلى بيان اللجنة، ومخطط توقعات الأعضاء لمسار الفائدة، ثم إلى المؤتمر الصحفي لرئيس المجلس. فقد يرفع الفيدرالي الفائدة لكنه يترك الباب مفتوحًا أمام التوقف، فتكون النتيجة أقل تشددًا مما توحي به الزيادة نفسها. وقد يفعل العكس، فيرفع الفائدة ويبعث برسالة واضحة بأن التضخم ما زال يمثل الخطر الأول، فتستمر الضغوط على الأسواق. ولذلك فإن اجتماع سبتمبر هو في الحقيقة اختبار لتوقعات الأسواق بقدر ما هو اختبار للفائدة نفسها، لأن المستثمرين يريدون معرفة ما إذا كانت السياسة النقدية تقترب من نقطة استقرار، أم أن الاقتصاد مقبل على جولة جديدة من التشديد.
وتأتي هذه المواجهة في وقت تشهد فيه سوق السندات الأمريكية ضغوطًا ملحوظة، بعدما اقترب عائد سندات الخزانة لأجل عشر سنوات من مستوى 5%، وبلغ نحو 4.96% في 11 سبتمبر، بينما تجاوز عائد السندات لأجل ثلاثين عامًا مستوى 5% ووصل إلى نحو 5.35%. وهذه المستويات مهمة لأنها تعني أن تكلفة الأموال لا تتحدد فقط من خلال سعر الفائدة الذي يقرره الفيدرالي، وإنما أيضًا من خلال ما يطلبه المستثمرون لتمويل الحكومة الأمريكية على المدى الطويل. وإذا جاء قرار سبتمبر مصحوبًا بلهجة شديدة التشدد، فقد تبقى العوائد طويلة الأجل مرتفعة أو تواصل الصعود، بما يرفع تكلفة الرهون العقارية وتمويل الشركات وخدمة الدين الحكومي، ويضغط في الوقت نفسه على تقييمات الأسهم، خصوصًا أسهم شركات التكنولوجيا والنمو التي تعتمد قيمتها بدرجة كبيرة على أرباح مستقبلية بعيدة. أما إذا أعطى الفيدرالي إشارة إلى قرب نهاية التشديد، فقد تتراجع العوائد وتستعيد الأسواق بعض شهية المخاطرة، لكن ذلك سيظل مشروطًا بعدم استمرار صدمة الطاقة في دفع التضخم إلى أعلى.
وتتضاعف حساسية الأسواق لأن النفط أصبح عنصرًا أساسيًا في المعادلة. فقد تجاوز خام برنت في أحدث إغلاق متاح مستوى 104 دولارات للبرميل، بينما اقترب خام غرب تكساس الوسيط من 100 دولار. وارتفاع الطاقة يضع الفيدرالي أمام معضلة صعبة، لأن النفط المرتفع يرفع التضخم، لكنه في الوقت نفسه يضغط على القوة الشرائية للأسر ويرفع تكلفة الإنتاج والنقل بالنسبة للشركات. والأهم أن التضخم الناتج عن صدمة الطاقة هو تضخم من جانب العرض، بينما أداة الفائدة تعمل أساسًا من خلال التأثير في الطلب والائتمان والاستثمار. ولذلك فإن رفع الفائدة لن ينتج برميلًا إضافيًا من النفط، لكنه قد يخفض الطلب ويزيد الضغوط على النشاط الاقتصادي. ومن هنا تأتي المعضلة الحقيقية: إذا شدد الفيدرالي أكثر من اللازم، فقد ينجح في خفض التضخم على حساب النمو؛ وإذا تساهل أكثر من اللازم، فقد يسمح لصدمة مؤقتة في الطاقة بأن تنتقل إلى بقية الأسعار وتترسخ في توقعات التضخم.
ومن الولايات المتحدة ستنتقل آثار القرار إلى بقية العالم عبر عدة قنوات في وقت واحد، يأتي في مقدمتها الدولار وتدفقات رؤوس الأموال وأسعار التمويل. فرفع الفائدة مع لهجة متشددة يزيد جاذبية الأصول المقومة بالدولار، وقد يدفع جزءًا من السيولة العالمية نحو الأسواق الأمريكية، في الوقت الذي ترتفع فيه تكلفة الاقتراض بالدولار على الحكومات والشركات خارج الولايات المتحدة. وتكون الاقتصادات الناشئة أكثر حساسية لهذا التحول، خصوصًا الدول التي لديها احتياجات تمويل خارجية كبيرة أو ديون مقومة بالعملات الأجنبية. وقد تتعرض عملاتها لضغوط، فتزداد تكلفة الواردات، ويظهر التضخم المستورد، بينما تجد بنوكها المركزية نفسها أمام خيار صعب: رفع الفائدة لحماية العملة وجذب رؤوس الأموال، أو قبول قدر أكبر من الضغوط على سعر الصرف والنشاط الاقتصادي. ومع ذلك، فإن القول بأن رفع الفيدرالي سيؤدي حتمًا إلى اضطراب عالمي حاد سيكون مبالغة؛ فحجم التأثير يعتمد على قوة الاقتصاد الأمريكي، وسرعة التشديد، وحجم المديونية الخارجية، وقدرة كل اقتصاد على امتصاص الصدمة.
أما اليابان، التي يكثر الحديث عن دورها في أسواق السندات والدولار، فيجب النظر إليها باعتبارها أحد العوامل المؤثرة وليس "المفتاح السري" لقرار الفيدرالي. صحيح أن اتساع فارق أسعار الفائدة بين الولايات المتحدة واليابان يمكن أن يزيد الضغوط على الين، وأن تحركات المستثمرين اليابانيين في الأصول الأجنبية يمكن أن تؤثر في سوق الخزانة الأمريكية، لكن ذلك لا يعني أن بنك اليابان ملزم تلقائيًا برفع الفائدة كلما رفع الفيدرالي الأمريكي فائدة. كما لا يعني أن اليابان ستتجه بالضرورة إلى بيع سندات الخزانة الأمريكية. قرار الفيدرالي في الأساس تحكمه أهدافه المعلنة المتعلقة بالتضخم والتوظيف والنمو والاستقرار المالي، بينما تمثل تحركات المستثمرين الأجانب في سوق الخزانة قناة إضافية يمكن أن تؤثر في العوائد. ولذلك فإن تضخيم العامل الياباني على حساب المؤشرات الأمريكية الأساسية قد يقود إلى قراءة مضللة لطبيعة القرار.
وبالنسبة إلى مصر، فإن أهمية اجتماع الفيدرالي لا تكمن في القرار الأمريكي ذاته، وإنما في كيفية انتقال أثره إلى الاقتصاد المصري. ويمكن أن يحدث ذلك عبر أربع قنوات رئيسية: سعر الدولار عالميًا، وتكلفة التمويل الخارجي، وتدفقات الاستثمار في أدوات الدين، وأسعار السلع المستوردة. فإذا رفع الفيدرالي الفائدة وأبقى لهجته متشددة، فقد تزداد جاذبية الأصول الدولارية وترتفع العوائد المطلوبة على ديون الأسواق الناشئة، وهو ما يمكن أن يجعل الاقتراض الخارجي وإعادة تمويل الالتزامات أكثر تكلفة. كما قد تتعرض عملات الأسواق الناشئة لضغوط، بما يرفع تكلفة بعض الواردات ويزيد مخاطر التضخم المستورد. وبالنسبة إلى مصر، تزداد أهمية هذه القناة في ظل حساسية الاقتصاد لتدفقات النقد الأجنبي وأسعار الطاقة والغذاء وحركة رؤوس الأموال. وفي المقابل، فإن أي تحسن في تدفقات العملات الأجنبية أو انخفاض في الضغوط التضخمية المحلية يمكن أن يمنح البنك المركزي المصري مساحة أكبر لإدارة أسعار الفائدة وفق احتياجات الاقتصاد الداخلي، بدلًا من الاستجابة الميكانيكية لكل حركة في واشنطن.
ولهذا فإن السيناريو الأفضل نسبيًا لمصر والأسواق العالمية ليس بالضرورة أن يكون تثبيت الفائدة الأمريكية أو رفعها، وإنما أن يكون القرار واضحًا وقابلًا للتنبؤ ولا يفاجئ الأسواق بمسار أكثر تشددًا مما تم تسعيره. فإذا رفع الفيدرالي الفائدة ربع نقطة وأشار إلى أن الخطوات التالية ستعتمد على البيانات، فقد تكون الصدمة محدودة لأن الأسواق استوعبت جزءًا كبيرًا من هذا الاحتمال مسبقًا. أما إذا جاء الرفع مصحوبًا بإشارات إلى زيادات متكررة، فسيكون الضغط أكبر على العملات الناشئة وتكلفة الدين والأسهم العالمية. وإذا اختار الفيدرالي التثبيت، فقد يكون رد فعل الأسواق إيجابيًا في البداية، لكنه لن يستمر إذا ظل النفط مرتفعًا أو أشار البنك إلى أن التثبيت مجرد تأجيل لرفع جديد. وفي النهاية، فإن اجتماع 16 سبتمبر لا يمثل مجرد اختبار لاتجاه الفائدة الأمريكية، وإنما اختبار لقدرة الفيدرالي على إدارة التناقض بين الحاجة إلى كبح التضخم والحاجة إلى حماية النمو. أما بالنسبة إلى مصر، فلن يكون القرار الأمريكي وحده هو الذي يحدد النتيجة؛ فمدى التأثير سيتوقف أيضًا على قدرة الاقتصاد المصري على جذب النقد الأجنبي، وإدارة الدين، واحتواء التضخم، وتحسين الإنتاجية، والحفاظ على مرونة سعر الصرف. وبعبارة أخرى، كلما أصبحت الأساسيات المحلية أكثر قوة، أصبح الاقتصاد أقل تعرضًا لتقلبات القرار الأمريكي، والعكس صحيح.

تعليقات